سأل أمير المؤمنين، رسول الله؛ ما أفضل الأعمال في شهر رمضان، قال: الورع عن محارم الله.

عندما يريدون اختبار شجاعة الجندي في دورات المهمات الخاصة، يعرّضونه لاختبارات عنيفة يكتشفون من خلالها مدى صلابته وشدة بأسه في تجاوز ما يعترضه من تحديات دون خوف أو وجل، فهو يقتحم النيران، ويقفز من شاهق، ويسير في الظلام الحالك، وغير ذلك، لأنه سيواجه حالات مشابهة، وربما أشد في ساحة المواجهة الحقيقية، واثناء تأديته مهمته الخاصة.

وكذا الحال في الشجاعة الروحية والمعنوية التي نتدرب عليها في مدرسة شهر رمضان المبارك بما تساعدنا على التحلّي بهذه الصفة العظيمة طيلة سنوات حياتنا من خلال مادة التقوى، على أن الصيام يمكن أن نطلق عليها بانها "عبادة سرّية"، وهي ليست كالصلاة، والحج، وسائر الفرائض الواضحة المعالم، فالإنسان يتجول في الشارع، لا يعرف أحد ما اذا كان صائماً أم لا، ولذا جاءت التقوى لتكون فلسفة الصيام في هذا الشهر الكريم، بل وحتى في سائر الشهور، فالتقوى هي "الانضباط داخل الأُطر الشرعية، وأن يكون الإنسان منضبطاً ومقيّداً بهذا الانضباط"، (كلمة عن شهر رمضان، لآية الله السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه)، وفي الآية الكريمة الخاصة بفريضة الصيام، جاءت التقوى عن المحرمات في السلوك العام، ثمرة للصيام في هذا الشهر الفضيل: {َياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، طبعاً؛ الى جانب الفوائد والآثار الايجابية الاخرى للصيام على الفرد والمجتمع، وهو ما لسنا بوارد الحديث عنه.

عندما يكون المتقي شجاعاً

بما أن التقوى، تعني لغوياً؛ الحذر من الشيء مخافة الضرر، فانه يصدر من الجميع بالضرورة، لذا قسّم العلماء كيفية التقوى وعدم الوقوع في المحذور، الى عدة اشكال يمارسها اصحابها: "الإكراه، و الإلجاء، و ضغط الأجواء والظروف"، فالأول؛ يكون الانسان فيه مجبراً على توقي الحذر بسبب الظروف التي يعيشها، كمن لا يمتلك الثروة فلا يطغي ولا يتكبر على الناس، لكن؛ ما أن يلامس الاموال نراه يفعل ما لا يتوقعه أحد، فقد ألجته الظروف لأن يعيش حياة الكفاف والتواضع، لذا فان ذاته وطبيعته الداخلية لا تتغير في الحالة التي كان يعيشها من قبل.

أما الحالة الثانية فيكون الانسان فيه مجبراً على الالتزام خوفاً من العواقب، وربما التماساً لبعض النفع والامتياز الاجتماعي.

وفي الحالة الثالثة يكون للضغوط الاجتماعية دورها البارز في الالتزام بالاحكام، ما أن تزول، أو ينتقل الانسان نفسه من البقعة الجغرافية المعنية بهذه الاحكام، كأن يغادر بلده الإسلامي الى بلد أجنبي، فانه يظهر حقيقته وكوامنه.

ولكن! ليس هذا كل شيء في التقوى والورع عن محارم الله التي يعلمنا شهر رمضان المبارك، فثمة نوع رابع من آليات التقوى تجعل صاحبها يكون متقياً ورعاً يلتزم بالاحكام والضوابط بشكل شجاع، بملء ارادته، وبما يشعره بالفخر والاعتزاز.

إنه "الحذر الباطني المتجذر في الذات"، كما جاء في كلمة الفقيه الراحل الشيرازي –طاب ثراه- وهي ملكة ذاتية قابلة للتنمية تضمن السلامة المادية والمعنوية للانسان في الحياة، وعلى طول الخط، بعيداً عن المؤثرات الخارجية، فانه لا يتصنّع الشجاعة أمام أحد وإنما امام نفسه وذاته فلا يخادعها في موقف أو عمل ما، إنما يَصدُقها في التزام جانب التقوى القلبية، وهذا يتجسد في حياتنا ، لعل ابرزها؛ المال، والعلم، والجنس في بعض الاحيان، فالذي يخوض غمار العمل التجاري وهو صائم، كمن يسير في حقل ألغام، عليه توخي الكثير من الحذر، وكذا الحال بالنسبة لمن يكون عمله قريباً من النساء وهنّ في حاجة اليه في ظروف واشكال مختلفة. وبالنسبة للعلم، فان شجاعة التقوى تتجلى في صور عظيمة بعظمة المواقف التي تتعلق احياناً بحياة الناس او عقيدتهم او فكرهم، فمن الصعب على البعض الاقرار بعدم العلم والمعرفة بهذه المسألة او تلك القضية وهو يرى التفاف الناس حوله.

ومن أمثلة البطولة والشجاعة في هذا المجال ما جاء في قصة أحد كبار مراجع الدين في سالف الزمان عندما طعن في السن، وأصيب بداء عضال استشعر منه التأثير على قدراته الذهنية واحتمال تراجع نشاطه الذهني، وهو مرجع تقليد وفقيه كبير يرجع اليه الملايين من الناس، فدعا تلاميذه لأن يختبروه علمياً ليطمئن على نفسه، فكان جواب التلاميذ بأن شكوك في محلها! ولم تعد ذلك الفقيه والعالم المُلم بالمسائل الشرعية وتفاصيلها، فأمر بأن يذاع في البلدان بأنه ينسحب من الساحة، وليختار الناس مرجعاً وفقيهاً غيره.

من هنا نفهم سر تفضيل الورع عن محارم الله من قبل النبي الأكرم في خطبته الشهيرة، على سائر الأعمال العبادية والخيرية، مثل الصلاة في الليل وقراءة القرآن والأدعية والتصدق وإفطار الصائمين وغيرها من أعمال الخير والبر.

الشجاعة بين التهوّر والحذر

في شهر رمضان المبارك، وفي ساعات الصيام، يتعلم الإنسان كيفية تنمية ملكة الشجاعة الحقيقية في نفسه، بما تخدمه شخصياً وتعود بالنفع على المحيطين وافراد المجتمع، فهي ليست تلك يتوهم البعض بانها تجلب المنفعة والنفوذ وتحقق الذات، و"من لم يكن ذئباً أكلته الذئاب"! لذا لابد من التوسل بالجسارة والاقدام لتحقيق النجاح المزعوم.

فكم من ثري، او سياسي نافذ توهم القوة والشجاعة وأنه قادر على فعل كل شيء، فكانت نتيجته السقوط أمام من هو أقوى منه في ساحة التنافس المحموم على النفوذ، وربما يسقط أمام القانون ومنطق الحق عندما يدينه المجتمع والعالم، كما شهدنا ذلك في شخصيات عدّها البعض أشجع الشجعان مثل صدام، الذي راح البعض الى أبعد من مدحه والثناء على شجاعته، بأن يقتدوا به ويكونوا شجعاناً مثله! ولكن كانت النتيجة بما لم يتوقعه أحد مطلقاً.

إن الشجاعة الحقيقية هي تلك التي تعطي صاحبها القوة الخارقة على طول الخط بانه على حق، ولن يكون نادماً على ما فعل، بل يجد الانجاز العظيم فيما اتخذه من موقف او قرار مهما يكلفه ذلك. والامثال على ذلك كثيرة في حياتنا وفي التاريخ.

اضف تعليق