المجال المعرفي والتربوي يؤكد أن المديح غير المدروس لا يبني الثقة بل يهدمها... فعندما يبالغ الوالدان في مدح كل تصرف صغير، يفقد الطفل تدريجياً الشعور بالمتعة الداخلية، وقد تؤدي هذه الحالة إلى تشكيل شخصية ضعيفة في مرحلة البلوغ تعتمد بشكل كبير على رأي الآخرين لتقدير نفسها، وتكون عرضة للسعي المستمر وراء الإعجاب على منصات التواصل لإثبات الذات...
ربما يتفق الجميع من الآباء والمربين على كون المديح يمثل إحدى الأدوات السحرية غير المكلفة لبناء شخصية الطفل وتطوير تقديره لذاته، ودفعه نحو النجاح والتفوق في الحياة، مما يجعل الأبوين والمعلمين ومقدمي الرعاية يغدقون في المدح بأنواعه على الأطفال بغية تحقيق إنجازات يبغونها. لكن هل فكرنا في نوع المديح ووقته وطرقه التي تحمي أبناءنا بدلاً من أن تفسدهم؟ وكيف ومتى يجب تقديم المديح للأبناء؟
في الآونة الأخيرة، أصبحت المنازل والفصول الدراسية مسرحاً لتكرار عبارات مدح ملفتة مثل: أنت عبقري، أنت أذكى طفل في العالم، أنت موهوب بالفطرة، وغيرها من العبارات التي نسمعها. وعلى الرغم من أن هذه الكلمات تبدو وكأنها تعبيرات عن الحب والدعم النفسي الذي يقدمه الآباء لأبنائهم، وهي ما توفر حماية لأطفالهم من الإحساس بالنقص أو الفشل كما يعتقدون، وهو ما يدفعهم لمثل هذا المديح؛ لكن علم النفس له رأي مختلف يمثل صدمة للواقع الذي نعيشه.
فالأبحاث السيكولوجية المعاصرة وتحديداً في مجال علم النفس المعرفي والتربوي بدأت تدق ناقوس الخطر لتؤكد أن المديح غير المدروس لا يبني الثقة بل يهدمها، ولا يشجع على التفوق بل يكرس الخوف من المحاولة خوفاً من الفشل. فاليوم نواجه تحدياً نفسياً يعرف بـ "فخ المديح العشوائي"، وهو حالة تتحول فيها النوايا الحسنة للوالدين إلى عوائق تحد من تطور الطفل على المستويين الفكري والعاطفي، من هنا تأتي أهمية تبني مفهوم التشجيع الذكي، كنهج مدروس قائم على أسس علمية، يهدف إلى إعادة توجيهه نحو مسارات نفسية صحيحة تسهم في بناء شخصية طفل يتمتع بالمرونة والشجاعة وحب التعلم بدافع ذاتي، بعيداً عن الاعتماد على تقييمات الآخرين.
ما هي الآثار النفسية السلبية للمديح العشوائي؟
حين يتحول المديح إلى عادة يومية مجردة من المعنى والسياق، فإنه ينتج مخرجات نفسية عكسية تماماً لما يرجوه الآباء، ويمكن تلخيص هذه الآثار المترتبة على النحو التالي:
أولاً: الإفراط في الاعتماد على التقييم الخارجي: وهو ما يمكن أن يشكل عائقاً أمام نمو الطفل بشكل صحي ومتوازن؛ فعندما يبالغ الوالدان في مدح كل تصرف أو إنجاز صغير يقوم به الطفل، يفقد الطفل تدريجياً الشعور بالمتعة الداخلية والارتباط الطبيعي بالأنشطة التي يقوم بها. وقد تؤدي هذه الحالة إلى تشكيل شخصية ضعيفة في مرحلة البلوغ، حيث يعتمد الفرد بشكل كبير على رأي الآخرين لتقدير نفسه واتخاذ قراراته، ونتيجة لذلك يكون عرضة للميل نحو السعي المستمر وراء الإعجاب والتقدير، سواء في الواقع أو على منصات التواصل الاجتماعي كوسيلة لإثبات الذات والشعور بقيمته الشخصية.
ثانياً: الهشاشة النفسية والخوف من الفشل: والخوف من الفشل ينشأ من الاعتياد على سماع أنه الذكي الذي لا يشبهه أحد على سبيل المثال، مما يبني بداخل حيزه النفسي هالة وهمية حول ذاته، وبالتالي لا يقبل بأية إخفاقة أو تراجع في الدراسة أو في أي عمل آخر، وحين تحصل معه هذه المواقف سينهار نفسياً.
ما هي صور المديح الذكي؟
امتداح السلوك لا امتداح الذات: وهذه هي القاعدة الذهبية التي تعد بمثابة توجيه رادار الثناء نحو الأفعال الحركية والاختيارات العقلية التي قام بها الطفل للوصول إلى النتيجة، بدلاً من وصف شخصيته الثابتة؛ فلو قام بسلوكية حسنة قل له إنها جيدة، أفضل من القول له بأنك كامل وليس فيك نقص، ليصيبه ما يصيبه من الآثار النفسية المدمرة.
تحفيز التقييم الداخلي: ومن أفضل طرق المديح الذكي هي دفع الطفل لتقييم نفسه داخلياً قبل أن يتلقى التقييم من الخارج، وذلك عبر إعادة الكرة إلى ملعبه بطرح أسئلة استكشافية مثل: كيف فعلت هذا؟ وكم استغرقت من الوقت للقيام بهذا؟ فهذه الأسئلة تفتح نافذة تفكير في عقل الطفل، وتجعله يتحدث بفخر عن منجزه، وهو ما يشعره بارتفاع الذاتية الحقيقية، وهاتين الطريقتين هما الأفضل من المديح العشوائي.



اضف تعليق