العالم الرقمي ليس مجرد تطور تكنلوجي، بل هو اختبار حقيقي لهيبة الحكومات، فإما توظفه في تعزيز سيادة القانون، واما تتركه ليتحول الى أداة لتفكيك الدولة من الداخل، وكلما طال زمن الفشل الحكومي في توظيف العالم الرقمي في فرض سيادة القانون، كلما تأخرت الدولة عن التعافي، واقتربت أكثر من السقوط...
الانسان مخلوق فريد من نوعه، ففي الوقت الذي تجده معلقا بالمثل والقيم العليا، تجد -أيضا- مولعا بالتمرد واتباع الهوى والخروج عن القواعد والاحكام. وهذا التنازع الداخلي بين ما هو أسمى وما هو أدنى، او بين ما هو صالح وما هو طالح، ليس طارئا، بل هو متأصل لدى الانسان منذ بدأ الخليقة، حتى قيل ان الانسان يضمر في داخله الخير والشر معا، او بعبارة اخرى ملائكته وشياطينه.
لقد فرضت الطبيعة الإنسانية ضبط تمرد الانسان وخروجه على الاحكام والقوانين بالعقوبة، لا بوصفها خيارا، بل كشرط لقيام النظام نفسه، ليدرك قيمة احترامها اولا، والجزاء المترتب على خرقها ثانيا، وقدرة السلطة القائمة على فرضها ثالثا. ولو لم يعاقب الانسان الاول بالخروج من الجنة لخرقه قاعدة واحدة، لما أدرك أبنائه من بعده معنى السلطة ولا ثمن الخروج عليها.
ان ميل الانسان الطبيعي للخروج على القانون يظهر في كل ركن من اركان وجوده، وما يحد هذا الميل ليس الوعظ ولا القيم المجردة، بل العقوبة او الخوف منها، فبدونها تفقد السلطات هيبتها واحترامها، وتفقد القوانين معناها، كما يفقد الناس أي شعور بقيمة الالتزام بها. ولذا يكفي ان ترى شخصا واحدا يخرج عن طابور النظام دون رادع، حتى يتحول هذا الفعل الى عدوى جماعية تصيب بقية الأشخاص، وكل منهم يسعى الى الوصول الى بغيته بصرف النظر عما قد يلحقه من ضرر مادي او نفسي بالآخرين، متسائلا في نفسه: ما دام غيري خرج عن الطابور ولم يعاقب فلماذا أخشى أنا؟!، وهكذا يتراجع النظام نفسه، بل ينهار، وتحل الفوضى محل القانون.
وهذا النمط لا يقتصر على حالة بعينها، بل يمتد الى جميع القوانين والمؤسسات، من الاسرة والشارع الى الدستور والقوانين الجنائية، ومن المؤسسات الدستورية الى بقية مؤسسات الدولة. فكل خرق بلا عقوبة رادعة، لا يعني مجرد مخالفة عابرة، بل يعني عمليا انهيار الغاية من وجود القانون، وتآكل احترام السلطات المكلفة بتطبيقه.
وقد أدركت السلطات منذ القدم ان هيبتها لا تبنى بالشعارات، بل بقدرتها الفعلية على فرض طاعة القانون، سواء بمعاقبة المجرمين ام بردع غيرهم. ولذلك تستعرض قوتها علنا في الماضي، أي قبل الثورة التكنلوجية الحاضرة، لا حبا بالقسوة غالبا، بل لترسيخ حقيقة ثابتة واحدة مفادها: ان الخروج عن القانون له ثمن، وأحيانا ثمن باهض جدا، بصرف النظر عن كون السلطة عادلة ام ظالمة.
اما اليوم، ومع التحول الهائل في العالم الرقمي، فان المعادلة قد انقلبت بشكل كبير وجذري وخطير، فالعالم الرقمي منح السلطة أدوات مراقبة الأفراد بطريقة غير مسبوقة، من خلال معرفة معلوماتهم الشخصية ونشاطاتهم وعلاقاتهم التي غالبا ما يعبرون عنها بلا تحفظ في العالم الافتراضي، ولكنه في الوقت نفسه منح الافراد قدرة أخطر: أي القدرة على اختبار السلطة نفسها، وكشف حدود قوتها وضعفها، فلم يعد المواطن معزولا عن السلطة، كما في السابق، بل أصبح قادرا على تفكيك صورتها، والحكم عليها، بل والتجرؤ عليها أيضا.
وفي ظل سلطة ضعيفة، على مستوى القيادة والمؤسسات، لا تغامر السلطة فقط بخسارة هيبتها وخوف الافراد من عقوباتها، بل هي تشجعهم على خرق القانون، وخلق بيئة مثالية للإخلال بالأمن والاستقرار، ونشر الفساد، وتهديد التعايش المجتمعي والمصالح العليا للدولة. وفي مثل هذه الدول يرتفع مستوى الجرائم العادية والمنظمة، كما تكثر الجماعات المسلحة وعصابات الجواسيس وتجار المخدرات والرقيق الأبيض والأعضاء البشرية... ويتحول الفعل الجرمي من سلوك فردي شاذ الى سلوك جمعي مقبول، وتصبح ثقافة الخروج على القانون ثقافة عامة لدى الناس، لا يخشون المجاهرة والمفاخرة بها، فيما يضطر بقية افراد المجتمع الى شراء أمنهم بالسكوت عن المجرمين، او رشوتهم، او التعاون معهم.
ان عجز السلطات التنفيذية عن القبض على المجرمين، وخوف السلطات القضائية من محاسبتهم، وانشغال السلطات التشريعية بالصراعات السياسية والفشل في مراقبة وتشريع القوانين العقابية يحول الدولة من دولة قوية الى دولة هشة ورخوة وفاشلة، ويترك الناس في حالة سيئة من الفوضى والارتباك والعجز عن فهم الصالح العام، وعندها تفقد البرامج الحكومية قيمتها، والاستراتيجيات والسياسات التنفيذية جدواها، لتخسر الحكومات في النهاية هيبتها واحترامها امام شعبها، بعد ان خسرت ثقته بقدرتها على فرض سلطة القانون، وحماية حقوقهم وحرياتهم، وتحقيق المصالح العليا للدولة.
صفوة القول: ان العالم الرقمي ليس مجرد تطور تكنلوجي، بل هو اختبار حقيقي لهيبة الحكومات، فإما توظفه في تعزيز سيادة القانون، واما تتركه ليتحول الى أداة لتفكيك الدولة من الداخل، وكلما طال زمن الفشل الحكومي في توظيف العالم الرقمي في فرض سيادة القانون، كلما تأخرت الدولة عن التعافي، واقتربت أكثر من السقوط في دوامة الفوضى.



اضف تعليق