المنهج السجادي القويم والشامل قد جمع الجانبين المادي والغيبي؛ فهو في نفس الوقت الذي يحمل في طياته مبادئ العلم والتربية لإصلاح النفس والمجتمع المؤديان إلى السعادة والتقدم الاجتماعي وتأمين فرص الخير الملموس في الحياة، ففي الوقت ذاته هو وسيلة اتصال بالسماء حيث يفتح بابا يوجد من وراءه موائد الغيب...

كيف يساهم الدعاء والعبادة عند الإمام السجاد (ع) في تهذيب النفس والارتقاء الروحي للإنسان؟

وكيف يتحول الدعاء في فكر الإمام السجاد (ع) من عبادة فردية إلى وسيلة لبناء قيم الاستقرار والتقدم الاجتماعي؟

النجاح والتقدم في الحياة قائم على جانبين: الجانب المادي، والجانب الغيبي.

وللجانب المادي عدة مقومات؛ منها المال والبنون، والأهل والعشيرة، والوجاهة الاجتماعية والسلطة السياسية، وقدرات أخرى من هذا القبيل.. وكلما تضاعفت هذه المقومات زادت قوة الأفراد أو المجتمعات، وفي نهاية المطاف تزداد الأمم نفوذا واستقرارا وتقدما في مختلف مجالات الحياة.. 

وباستطاعة الإنسان والمجتمع من خلال تطوير العمل والوسائل والتدبير الاقتصادي والسياسي والعلمي مع الحكمة وحسن التدبير، أن ينال التوفيق في الارتقاء من خلال مختلف الوسائل المتاحة له وأن يحصل على ما يريد من تلك القوى.

أما الجانب الغيبي فهو الجانب الآخر الذي يخدم الفرد والمجتمع، إلا انه لا يتأتى من خلال الوسائل الملموسة والمتوفرة، كما أن وجوده يكفل سعادة الفرد والمجتمع أكثر من كل القوى المادية، فمهما كان الضعف أو الاستضعاف مستوليا فإن الجانب الغيبي لا يحسب حساب ذلك الضعف وإنما يأتي المدد والعون دون أن يكون لتوفر تلك المقومات المادية دور أو أثر في النجاح والتقدم، ويمكن لحاظ بوضوح في آية المستضعفين وقوله تعالى: "ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض.."؛ حيث لا يملك المستضعف أية قوام ليجعله قادرا على التملك والقدرة إلا أن المدد الغيبي جعله وارثا مقتدرا.

من هنا وبناء على هذا الأساس؛ فإن المنهج السجادي القويم والشامل قد جمع الجانبين المادي والغيبي؛ فهو في نفس الوقت الذي يحمل في طياته مبادئ العلم والتربية لإصلاح النفس والمجتمع المؤديان إلى السعادة والتقدم الاجتماعي وتأمين فرص الخير الملموس في الحياة، ففي الوقت ذاته هو وسيلة اتصال بالسماء حيث يفتح بابا يوجد من وراءه موائد الغيب.

وعلى سبيل المثال حينما يقول الإمام عليه السلام: "اللهم اغن كل فقير"؛ فهو في نفس الوقت الذي يحفز على إمحاء الفقر بمساعدة الفقراء وإكرام الناس وتحسين الوضع الاقتصادي للمجتمع، فهو أيضا لم يهمل الجانب الغيبي حيث يرى ان ذلك لا يكون إلا من خلال طلب المدد من السماء حين نزول شآبيب الرحمة الإلهية وقطرات المطر الرباني. 

وقس على هذا المثال سائر أدعية الصحيفة السجادية؛ من الدعاء للأهل والجار والأبوين والأولاد، وحتى الدعاء لمعالجة الأمراض والعاهات النفسية والخلقية والبدنية كالحسد والغيظ.. وبين سطورها مختلف النظريات العلمية والسياسية والاجتماعية وفي نفس الوقت هو دعاء وابتهال وتضرع إلى الله تعالى.

من هنا يمكن القول باختصار؛ أن الدور السجادي هو الدور المميز من بين جميع الأدوار الإصلاحية الذي اختزل وامتزج الجانبين المادي الملموس مع الجانب الغيبي الميتافيزيقي اللا محسوس، وحسب التعبير القرآني جمع بين "عالم الغيب والشهادة"، وعليه فهو حري بالاقتداء والاتباع.

* مداخلة مقدمة الى الجلسة الحوارية التي عقدها مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث تحت عنوان: (فلسفة الدعاء والعبادة عند الإمام السجاد (ع) وأبعادها المعنوية والاجتماعية)

اضف تعليق