في مجالسنا عادة ما ينقسم الناس على أنفسهم الى قسمين، منهم من يتكلم بما يعلم وما لا يعلم المهم ان يتكلم، ومنهم من يفضل ان يكون رزيناً هادئاً مرتدياً لباس الصمت ومتجمل به، وهو ما يجعله يتصف بالحكمة والنضج وبالتالي يحظى بمقبولية مجتمعية على عكس الثرثارين الذي يملئون المجالس صخباً فتضيق بهم، ويملهم الجلاس ويودون عدم الاستمرار او مشاركتهم الحديث.

ذات مرت كنت بضيافة أحدهم وكان معي شخصاً متوسط العمر وكان ينصت الى الحديث وكأنه يحاول الوصول الى استنتاج ما وحين طلب من صاحب الضيافة التحدث قال (انا لا أستطيع ان اكون متحدثاً جيداً فدعوني اكون مستمعاً جيداً)، مضت على هذه الحادثة سنوات لكني اعتمدتها قاعدة في حياتي عند مواجهتي ما لا اعرفه وأفضل الصمت بدل الكلام الفارغ في المحتوى والمضمون.

علمياً اغلب الذين يتكلمون كثيراً هم المندفعين من المراهقين او الفارغين من المحتوى الذين يقاومون العقد التي هم فيها للحصول تقدير مستخدمين وسيلتين للدفاع في آن واحد وهما التبرير لأنفسهم بأنهم ليسوا اقل من جميع الناس من حولهم، والتعويض للخبرات المؤلمة السابقة من الكبت والحرمان سيما فيما يخص الجانب المعنوي كمنعه من التحدث او عدم تقبله افكاره وغيرها من السلوكيات التي اجبرته على التعويض.

بماذا يعود الصمت على صاحبه؟

الصمت ليس هيناً بالمرة لكن الانسان يستطيع التحكم بذاته بالتدريب على هذا الامر ليتحلى المرء بمداد قوة نفسية داخلية، إذ يعلم الصمت والمثابرة على البقاء صامتاً وعدم الاستسلام للاضواء في المحيط التي تجبرك على الدخول في قاع من الوحل لا فائدة منه على الاطلاق وما يعرض فيه من بضاعة كاسدة لن يشتريها الا اولئك الفرغين المتصيدين لعيوب الناس والعاملين على استفزاهم.

يلجأ الكثير من الناس إلى التأمل كنوع من أنواع الصمت والهدوء للحصول على الراحة والهدوء النفسي سيما حين يتحول الحديث الى جدل مع انسان غبي او جاهل فكلاهما متعبان الاول لا يفقه من الامور الى القليل والثاني تنطلي عليه المظاهر وما بين هذا وذاك تصبح انت ضحية فلا وجود لناصر لأفكارك ولا مثمن لآرائك وما تقول وانت في هذا الحال مهما ابدعت لن تحدث شيئاً وكأنك تنقش على الماء.

وقد يحاول الكثير من الناس الصمت كوسيلة لمواجهة الاستفزاز الذي يجبرنا احياناً على الخروج من مساحتنا النفسية والدخول في معارك كلامية تفضي الى الكثير من الاثار النفسية والانعكاسات على المجتمع ومنها أنك حين تجر الى ساحة الاستفزاز ستتغير صورتك في عيون المحيطين بك او ربما يحصل تصفية لحسابات سابقة وهذه هي دواعي الاستفزاز التي نواجهها بالصمت، فكلما أحسنا الصمت فوتنا الفرص على المتقصدين النيل من قوانا النفسية التي لو خسرناها سنخسر الكثير ولا من معوض.

ليس في جانب الحدث في تجمع ما فحسب بل نحتاج الصمت في حياتنا بصورة عامة ما للحصول على الراحة والاسترخاء، ومع الوقت ستبدأ بالاستمتاع بهذه الساعات الصامتة، كما ستلاحظ أنه حتى بعد انتهاء ساعات الصمت المخصصة في اليوم، ستختار الصمت غالباً بدلاً من قول شيء غير مرغوب به، أو شيء يمكن أن تندم عليه لاحقاً لأن الصمت يُعود الإنسان على التفكير قبل الكلام، واختيار الكلام بعناية وهو ما يجنبا الاخطاء فمن يتكلم كثيراً يكون أكثر عرضة للخطأ.

من ايجابيات الصمت ايضاً انه يغذي الخيال ويبعد جميع أنواع القلق والمؤثرات السلبية عن نفس الإنسان، ويمكن العقل من ردع ردود الفعل السلبية وإنشاء ردود فعل إيجابية، وحين تلاحظ معظم المنتجين على الصعيد الفكري يتمتعون بقدرة عالية على الصمت والتفكير العميق العلمي المنظم وليس التفكير العشوائي الارتجالي الذي لا طائل منه ولا نتيجة.

ومن جمال الصمت ان يمنح صاحبه جاذبية ووقار تجعله مميزاً بين اقرانه، كما تجعله موضع نظرهم واهتمامهم وهم بذلك يسعون الى معرفة ما رواءه فيحسبون له ألف حساب وحساب وينصتون الى كلامه بكل تركيز حين ينطق على النقيض من ذلك الثرثار الذي لا يعار لكلامه اهمية ولن ينصت له، هذه أبرز الايجابيات التي ينتج من الصمت في حياة الانسان لذا أدعوكم قراءنا الكرام الى التجمل به وبوثبه الانيق.

اضف تعليق