كان لي صديق من ايام الجامعة اعترف انه من اقرب اصدقائي الى نفسي فهو الكريم الذي لم يبخل معي حين اطلب مساعدة ما، والغيور الذي يزج نفسه في مشاكلي وبقوة، اتصلت به هاتفياً ذات مرة وككل مرة امازحه بلوم الجهة السياسية التي ينتمي اليها واحملها مسؤولية ما حصل ويحصل بالعراق يتقبل هو الامر بصدر رحب وبروح جميلة، ذات مرة اتصلت به فاخبرني بأنه سينتقل وظيفياً الى مكان ارقى حسب تعبيره وطبعاً ذكر لي المكان فقلت له ممازحاً (شلون توصل لهيج مكان) رد وبكل صراحة انت لا تعرف كيف تتسلق الاكتاف لتصل ملثما انا الآن فأنا مستعد للعمل مع اية جهة شريطة ان احقق غاياتي الوظيفية واهدافي التي ارسمها.

بعد ان غلقت الهاتف اصبحت اطلب بأجوبة للأسئلة التي شغلت تفكيري وهي: هل يتمكن الانسان من ان يعيش بأدوار حياتية مختلفة ومتناقضة؟، وان تمكن من ذلك فهل يعد هذا ذكاء ام انها مثابة يؤاخذ عليها الانسان، وما هو الاثر الاجتماعي الذي يتركه هذا التلون على المحيط الانساني؟، ومن ثم كيف نتعامل مع مثل هكذا شخصيات؟

اغلبنا عاش في مرحلة مظلمة من حكم العراق بالحديد والنار ولعلها من أكثر المراحل المعقدة والمؤلمة في تاريخ العراق، فقد تمتع اناس بسلطات مفتوحة واموال ومناصب ونفوذ قبالة حرمان وقهر اقتصادي وتربوي ونفسي وكل اشكال الحرمان الذي ممكن ان تشاهده او تشعر به لاناس اخرين، بين هذا وذاك يبرز نوع من البشر يعيش في مستوى من الرفاهية في جميع الاحوال وفي جميع الازمنة، لكون لديه القدرة على التعامل مع معطيات المرحلة والاتيان بثمار تحت قاعدة (السبع الي يعبي بالسلة ركي).

بعض الناس يرون ان هذا نفاق وتخلي عن المبادئ وبعضهم يراه تلون ناتج من ذكاء ومقدرة في استثمار الظروف وتوظيفها لصالحه، بينما الاغلبية وانا منهم اعتبره طعن للأخلاق ومنقصة للبشر وان اتت بكل المال والتصدر للمناصب وما ينتج من ذلك من امتيازات لم ينلها اؤلئك الذي يرفضون العيش بهذه الطريقة.

المتلونون يرون ما يقومون به هو تلبية لروح العصر اذا ان لكل عصر لباسه ولكل حالة طرقاً اخرى للتكيف مع الوضع الراهن، وبذا هم يجيدون المراوغة واللعب على الحبال تحقيقا لمصالحهم الشخصية ومنافعهم المادية، غير مباليين بغيرهم او في ما يمكن ان يقلل من قيمتهم، يميلون كالأغصان الهشة حيث تتجه الريح، وهنا يكون المبدأ ضمير مستتر او غائب، حيث يجوز الوجهان اذا تطلب الأمر اخفاءه او إظهاره تبعا لمطامعهم ومتغيرات الأحوال.

والمتقلبون ان سنحت لهم الفرصة يستغلونها ويحولونها الى انجاز كما يعتقدون، لكن هذا الامر لا يصح لدى الانسان السوي صاحب المبدأ الذي لا يتزحزح قيد انملة اذا تعارض مع ضميره اليقظ ومشاعره السامية، فقد لوث الانسان انسانيته خدمة للمال والجاه والنفوذ، و بات لا يميز بين الحق والباطل والصدق والكذب والفضيلة والرذيلة والعهر والطهر فالصفات النبيلة تعد من الثوابت التي لا يمكن تليينها تحت اي ظرف كان.

في الختام اقول: اننا للأسف صرنا ضحية هذه النماذج التي عرفت كيف تغوص في الوحل وتتكيف مع كل الاوضاع المتقبلة وتنحني لأية تيارات من الريح ولاتبالي بما يرى عقلها وتخالف ضميرها، فتمكنوا من الاستيلاء على قوتنا وقوت عوائلنا لإشباع حاجاتهم وملذاتهم والظفر بكل ماهو بهي وبراق وكل ذلك تلبية للشهوات الجسد ونزوات النفس الأمارة بالسوء والتي لا حدود لمطامعها ورغباتها الغريبة والغير منطقية التي تدفع الانسان الى ان يكون ناشزاً وغير طبيعي.

اضف تعليق