الكثير من الناس عانوا في صغرهم من حرمان مادي ومعنوي كبيرين، فلا استطاعوا ان يلبسوا او يتعلموا او يأكلوا بالطريقة التي يستحقها الانسان المرفه او متوسط العيش على اقل تقدير، ولم يعاملوا ايضاً باحترام ومعاملة لطيفة، هذا الامر يتحول مع الوقت فيما بعد الى طاقة تحركهم باتجاه باستبدال ذلك الحرمان بما يعاكسه تماما، وهذه المعالجة تعرف في علم النفس بـ(التعويض).

التعويض في علم النفس يعد من آليات الدفاع التي يقدم اليها الفرد لحماية نفسه واستبدال الحرمان، كما يهدف الى التغلب بشكل مستقل على الصفات السلبية الموجودة بالفعل أو التي يتصورها الشخص بشكل شخصي.

الشخصية الانسانية تحاول عبر التعويض القضاء على اوجه القصور التي اكتنفتها في مراحل سابقة عن طريق تطوير ميزات أخرى أو موازنة أو استبدالها، لذلك فإن شخصًا ذو مكانة صغيرة، يشعر بالقلق من ذلك، يسعى إلى الحصول على مكانة اجتماعية عالية، ويبذل جهودًا كبيرة لتحقيق هدفه ونتيجة لذلك، يحصل على ما يريد بفضل حافزه المتزايد.

على سبيل المثال تتمالك الفتاة التي حرمت من التقدير بين اقرانها والاشادة بملابسها عندما كانت مراهقة الرغبة في ان تصبح عارضة ازياء مشهورة في مرحلة البلوغ، كل ذلك يجري من اجل تثبت لمن حولها انها كانت ستحق ان تكون في المكان من السابق لكن لاحد اهتم بها وقدر رغبتها وميلها وبذا هي انتصرت لنفسها.

للتعويض مظهرين أحدهما ايجابي سعي الانسان الى التمتع بما حرم منه سابقاً وبطرق انيقة وسليمة دون الجنوح الى المحرم والناشز من الفعل، على سبيل المثال ان يعوض حرمانه من الدراسة بسبب الضائقة المادية التي كانت تحيط به فيقوم بتوفير كل الحاجيات المادية والنفسية التي يحتاجها ابناءها ليراهم في الاماكن التي يحلم ان يكون فيه وبذا هو يعتد بذاته ويقدرها عبر ابناءه.

اما السلبي فيتمثل في اللهاث غير الطبيعي في سبيل مافات، اذ تجد الفرد المعوز مادياً يحاول ان يسلك شتى الطرق في سبيل شراء سيارة او شراء ملابس ذات علامات تجارية فاخرة او تلفون فخم كل ذلك من اجل حب الظهور بمظهر الغني الذي يمتلك الصورة المخالفة للصورة التي يعتقد انها ترسخت في اذهان الناس، ومن سلبيات التعويض انه يجعل الفرد الغير ممنوح فرصة للاحترام والمتعرض الى التجاهل الى ابراز عضلاته حين يتنسم منصباً ادارية ويعوض ذلك الكبت وعدم الاحترام الذي تعرض له.

ومن مشكلات التعويض النفسي انه ليس آلية للتغلب على القهر بشكل طبيعي بل انه ينتج من كردة فعل لقصور وهمي ربما ليس موجود بل ان قلة احترام الذات وعدم كفاية تقدير الذات وبذا يخوض الانسان حرباً وهمية مع ذاته ومع محيطيه البشري من اجل برهنة القدرة وقد يستخدم في هذا الطريق اسلحة محرمة انسانياً وهنا تذهب الكثير من ميزات الانسان التي زود بها فطرياً.

ويمكن للتعويض ان يحدث بأفراط فيجر الانسان الى تشويه سلوكياته ويجعله ناشزاً، فقد سبق وان التقينا بزملاء في الدراسة منحدرين من مناطق ذات طبيعة قاسية وحين تبدلت بيئاتهم مارسوا التعويض من الحرمان الذي كانوا فيه بأبشع صوره حيث قاموا بسلوكيات تنم بالضرورة عن قساوة ما عانوه من حرمان، محاولين تحسين الصورة السيئة التي يعتقدون انها مترسخة في اذهان الناس حولهم.

ومن سلبيات التعويض ايضاً هو التعويض اللفظي ان صحة التسمية عليه، اذ تجد اشخاص يحاولون تسيد المجالس والتحدث من اجل التحدث فقط في محاولة منهم لتعويض الكبت وانعدام الاحترام الذي مورس ضدهم، فقد نعذر اؤلئك الثرثارين لكونهم لم يحصلوا على فرصة اثبات أنفسهم ولو لمرة وحدة، لكنهم حين امسكوا بالدف ثقبوه، ولم الناس ولا أنفسهم وتلك هي الخسارة العظمى.

اضف تعليق