إنسانيات - علم نفس

تحليل المرء لنفسه

إن التحليل يتكلل بالنجاح عندما يبدأ الشخص بتحليل نفسه كل يوم ما بقي من عمره. والتحليل الذاتي بهذا المعنى هو إدراك المرء الدائم الفعال لنفسه طوال حياته، ليكون مدركاً لذاته، ويزداد إدراكاً لها، ولبواعثه اللاشعورية، ولكل شيء مهم في ذهن المرء، وأهدافه وتناقضاته، وتبايناته. ولا يسعني شخصياً إلا أن أقول إنني أحلل نفسي كل صباح ـ تحليلاً يجمع بين ممارستي التركيز والتأمل ـ ساعة ونصف الساعة، ولا أريد أن أعيش من دون ذلك. وأرى أن هذا أمر من أهم الأمور التي أقوم بها. ولكن ذلك لا يمكن أن يتمّ من دون الجدية الكبيرة ومن دون إيلائه الأهمية التي يستحقّها.

ولا يمكن أن يتم التحليل الذاتي بوصفه هواية مرة من طول الزمان أو حين يكون لدى المرء خاطر في ذلك. وكل الأمور التي يقوم بها المرء حين يكون لـه خاطر ليست جيدة، حقاً. ولا يصبح أحد عازفاً ماهراً بآلة البيانو بتدربه على السلّم الموسيقي حين يكون لـه خاطر. ولا يكون للمرء خاطر التدرب على السلّم الموسيقي ومعظم الناس ليسوا في حالة نفسية ملائمة للتدرّب على السلّم الموسيقي. وهناك أمور كثيرة في الحياة، إذا أراد المرء حقاً أن يقيم للحياة وزناً، على المرء أن يقوم بها لا لأنها في ذاتها مترعة بالمتعة بل لأنها ضرورية لأمور أخرى.

وأنا لا أقصد تطبيق هذا على التحليل والتركيز والتأمل؛ فهذا ليس تدريباً على السلّم الموسيقي. بل على الضد، هذا نشاط ممتع للغاية بأعمق معنى للكلمة. إنه نشاط شديد الإرضاء. ومن الواجب تعلّمه وممارسته، وإذا لم يُحلَّل المرء فالأمر أصعب. وأعتقد أنه يمكن أن يتم كذلك إذا لم يحلَّل المرء. ولكن إذا كان المرء يعاني من صعوبات قاسية، فهو شديد الصعوبة، ويكاد يكون مستحيلاً، لأن المرء يكون حبيس مشكلاته، والمقاوّمات شديدة جداً. والمسألة هي أنه إذا أراد المرء أن يحلل نفسه، فيجب أن تكون المقاوَمات الأساسية قد انكسرت شوكتها. وذلك يعني أنه إذا كانت في حياتي أمور تقف ضد الإدراك الذي توجد لـه مقاومة ضخمة، فلا ريب أنني لا أستطيع أن أحلل نفسي لأنني سأقنع نفسي بالتبريرات وما إليها أن الأمر ليس كذلك. ولهذا هو في ماهيته مسألة عمق المقاومة وشدتها. وهو مسألة عوامل أخرى، تجعل ذلك ممكناً. ومنها مثلاً، الوضع الذي يعيش فيه المرء، وقوة الرغبة في بلوغ حياة أسعد حقاً.

وممارسة التحليل الذاتي تكون أسهل إذا ما حُلّل المرء. ومهما يكن، فإذا لم يتركّز التحليل إلا على مشكلات المرء في الطفولة بل تناول حياة المرء الكلية على أساس وجوده الكلي: أين موضع الإنسان في الحياة، وما هي الأهداف الأساسية للمرء ـ التي هي لا شعورية غالباً ـ وما هي الغايات الحقيقية التي للمرء، أو هل يفتقر إلى الغايات الحقيقية. إذا كان لديك هذا النوع من التحليل، فإن الأمر أسهل بكثير. وكتاب كارين هورني Karen Horney عن التحليل الذاتي مثير للاهتمام، ولكنني لا أعتقد أنه مسعف كثيراً، أو مسعف كفاية، لأنها تقوم بالتحليل على أساس معرفتها التحليلية.

ولا محالة من أن يكون التحليل الذاتي بسيطاً، وهو يمكن أن يكون بسيطاً. فتخصّص كل يوم نصف ساعة؛ ويمكنك أن تسير، وتمعن النظر في سيرك وتفكر، مثلاً: "كنت بالأمس متعباً. وقد نمت نوماً كافياً، فلماذا كنت متعباً." ولعلك تكتشف بعدئذ: "كنت في الحقيقة قلقاً." وعندئذ يمكن أن تستمر وتسأل نفسك:" لماذا كنت قلقاً؟" وقد تهتدي إلى أنك كنت غاضباً حقاً. أو لديك صداع وقد تسأل نفسك دائماً ـ "ممَّ أنا غاضب؟" وغالباً ما يزول الصداع إذا اكتشفتَه. وهناك صُداعات قليلة لا تزول لأن لها أسباباً عضوية. والمشهور أن الصداع النصفي (الشقيقة)، مثلاً، مسألة غضب مكبوت، غضب وعتب مكبوتين دائمين، ويسبّبان في الوقت نفسه توتّراً للمرء. وللكثير من الأمراض الجسدية ـ النفسية تلك الوظيفة.

ولتحليل نفسك عليك أن تسأل نفسك أسئلة عامة من قبيل: "ماذا حدث في طفولتي." وستخطر لك الأشياء متى ما بدأت تسأل نفسك أسئلة بسيطة، محاولاً اكتشاف ما تشعر به حقاً. فعلى سبيل المثال إذا قابلتَ شخصاً فقد تسأل نفسك: "بماذا أشعر حقاً." ومن شأنك أن تقول شعورياً إنك تحب ذلك الشخص، ولكن قد يكون في ذاكرتك شك صغير، والتحليل الذاتي يعني أن تأخذ وقتك، وتكون مسترخياً، وتبدأ الشعور.

وهذا الأمر ليس مسألة تفكير، بل اختبار لأحاسيسك: "بمَ أحسّ حقاً؟" وقد تكتشف أنك تمقت هذا الشخص كثيراً أو أنك خائف من هذا الشخص. أو أنك لا تبالي به البتة، فقد كنت ظريفاً، مبتسماً، وتحبه لأن هذا الشخص يُفترض أن يكون مهماً أو يؤثّر فيك لقبه أو شيء من هذا القبيل، أو لأنه شقيق أمك أو شيء يقرب من ذلك، أو مهما كانت الأسباب. وأود أن أقول، إن من يحاول أن يبدأ ببساطة شديدة، لا بخطط كبيرة، ولا بنظريات كبيرة، بل بمنتهى المباشرة والبساطة ليخصّص كل يوم لمجرد محاولة الشعور والإحساس بما جرى فيه البارحة ـ سيتعلّم باتّئاد كميات كبيرة من الأمور.

ويقول جل الناس إنه ليس لديهم الوقت لذلك. وإذا كان هذا الأمر شديد الأهمية، إن هذا التبرّم من الوقت سينتهي سلفاً لأنه من الطبيعي أن يكون بإمكان المرء توفير الوقت له. وعندما يقول المرء : "ليس لديّ الوقت" لأمر ما، فذلك قراراً سلفاً. وهو تعلّة لقرار يعني أنه ليس مهماً. وإذا كان عليك أن تكسب مالاً فإنك لا تقول: "ليس لديّ الوقت للذهاب إلى العمل،" لأنك تعلم أنك ستُفصل من العمل ولن يكون لديك شيء تأكله ما لم ينقذك أبواك. وإذا حاولتَ التحليل الذاتي، ومارسته وأصبت بالمرض، فإنك سوف ترى أن بعض الأمور تحدث وستغدو أكثر استقلالاً وحرية، لأنك لا ترمي كل شيء على أحد سواك. إن للمرء مقدرة معينة على احتواء الأشياء في نفسه، بدلاً من التسريب الدائم.

وكتابة اليوميات بخصوص التحليل الذاتي يجعل التحليل الذاتي غير حيوي بعض الشيء. ولا ريب أن المرء إذا دقّق النظر فيها كل يوم، فقد تكون مسعفة. وأعتقد أن الأمر الجيد هو أن يدوّن المرء أحلامه وأن يرى ما هي في الحقيقة. ويجب أن يكون هناك محللون نفسيون يجعلون ممارستهم هي مجرد أن يكونوا مفسرين للأحلام لا معالجة الناس تحليلياً. وعلى الشخص أن يكون قادراً على تدوين أحلامه مدة من الزمن، وأنا أوصي المحللين كثيراً بأن يجعلوا من ممارستهم أن يكون بوسع الشخص أن يأتي إليهم مرة كل أربعة أسابيع ومعه أحلامه وأن يطلب إلى المحلل مساعدته على تفسير هذه الأحلام.

ويمكن أن يقدّم المحلل هذا بعد الساعتين الأوليين أو الساعات الثلاث الأوائل وبذلك يعرف المحلل عمن هو يتحدث وما هو وضعه، ولكنه عندئذ يأخذ الدور بوصفه مفسراً للأحلام بكل بساطة. وأعتقد أن ذلك سيكون منهجاً جيداً جداً، لأن الكثيرين من الناس الذي لا يحتاجون إلى أشد المساعدة تمكن مساعدتهم بذلك كثيراً على تطورهم الذاتي بتحليل أحلامهم. وثمت فائدة كبيرة كذلك وهي أن الشخص لا يصير متّكلاً على المحلل، بل يظل معتمداً أو تظل معتمدة كلياً على نفسه أو نفسها.

* مقتبس من كتاب: فــن الإصــغاء-إريك فروم

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتي

اضف تعليق