أعتقد أنه من الضروري قبل كل شيء أن يغيّر المرء سلوكه وألاّ يقتصر على تحليل نفسه وإدراكه لها. وإذا اكتفى المرء بإدراك ذاته من دون أن يتّخذ في الحين نفسه الخطوات التي هي نتائج هذا الإدراك الجديد، يظل كل إدراكه عديم الجدوى. وبوسع المرء أن يحلل نفسه ويعرف كل شيء عنها سنوات كثيرة ولكن ذلك لن يكون مجدياً إذا ظل عقيماً، إذا لم يقرن ذلك بتغييرات في ممارسته للحياة.

وقد تكون هذه التغييرات طفيفة، ولكن المرء لا يمكن أن يتقدم في هذا الدرب كما تجد عند بعض الفلاسفة اليساريين الذين يقولون: عندما تأتي الثورة، سيكون لدينا أفضل الناس. يقول ماركوزه ذلك، ولكن قبل الثورة تكون أية محاولة من الإنسان ليغدو أفضل محاولة رجعية. إن ذلك في رأيي ولاشك هو هراء واضح لأنه بعد أن تأتي الثورة ولا يكون قد تغيّر أحد، فإن الثورة لن تكرر إلا بؤس ما حدث من قبل. إن الثورة سيصنعها أناس ليست لديهم فكرة عما يمكن أن تكون الحياة الإنسانية الأفضل.

إن ما يغيّر ما يصنعه الإنسان في نفسه أمر بالغ الدقة. ولا يمكن للمرء أن يصنع الكثير، ولكن على المرء ألا يكون مفرط الاحتراس. وأعتقد أنه من بالغ الأهمية في التحليل أن يبقى في الذهن على الدوام كيف يعيد الشخص إنتاج نفسه ويعيد إنتاج المكتشفات الجديدة باختبار المشاعر. وعلى المرء أن يبحث عن التجارب وعلى الخصوص المقاومات التي لدى الشخص في اتخاذ الخطوة التالية، وهي التصرف بصورة مختلفة. وإلا ظل المرء في وضع غير حقيقي إلى حد ما، على الرغم من كل التجارب الذاتية التي لديه. وتعتمد مسألة ما هي التغيّرات على الوضع كلياً.

ويعاني التحليل النفسي من الخطر الكبير في أن كل شيء يوضع بين يدي التحليل وأن الناس لا يؤمنون إلا عندما ينقضي التحليل، ينتهي، ثم يقومون بالتغيير. وأنا مقتنع أن على المرء أن يبدأ القيام بالتغيير قبل ذلك، وأن المسألة هي حصراً مسألة ماهي التغيّرات ومشكلة التدرّج، والصفة المميزة للتغيرات التي يمكن أن يقوم بها المرء ـ التغيّرات التي هي ليست مجانبة للواقع، ولا تتجاوز قدرة المرء على القيام بها في الوقت الحاضر. ولا ريب أن هذه مشكلة شديدة الخطورة والصعوبة.

تنمية الاهتمام بالعالم

المسألة الثانية هي أن يكفّ المرء عن إفراط الاهتمام بنفسه. وكذلك تواجه التحليل النفسي خطورة كبيرة هنا. فالناس الذين هم حقاً لا يهتمون إلا بأنفسهم يجدون مجالاً هائل الغنى لممارسة النرجسية. فلا أهمية في العالم إلا لمشكلاتهم.

وأن يكون المرء مهتماً بمشكلاته حصراً ليس السبيل إلى معافاته وصيرورته إنساناً كامل الإنسانية. ولا يستطيع المرء أن يعيش بطريقة قوية ومفرحة ومستقلة إذا لم يكن يهتم إلا بنفسه. وعلى المرء أن يقف على قدمين على الأرض، ولكن يجب ألاَّ تكون الأرض دبوساً أو إبرة لأن عليهما لا تستطيع أن ترقص إلا الملائكة، وفقاً للترجيمات القروسطية. ولا يمكن للمرء أن يعيش على قدميه على الأرض، إلا إذا كانت هذه الأرض واسعة وغنية وارتبط المرء بالعالم المحيط به بطريقة منتجة ومهتمة.

إن الخطر يجب دفعه بالتحليل أو من دون تحليل، وهو أن الشخص يظل متمركزاً حول مشكلاته ويظل منفصلاً عن العالم، أي عن وصل نفسه أو نفسها بطريقة متجردة بكل ما حوله أو حولها: بالناس، وبالأفكار، وبالطبيعة [....].

كيف يُثري أي شخص حياته؟ إن كل الشقاء الذي يعانيه الناس يكمن إلى حد كبير لا في أنهم مرضى جداً بل في أنهم منفصلون عن كل شيء مثير للاهتمام في الحياة، منعش للنفس في الحياة، جميل في الحياة. إنهم يقعدون ويتضجرون من مشكلاتهم، من ذنوبهم، من أخطائهم، من أعراضهم. ويعلم الله ماذا ينفتح لهم حين يقعدون ويتمتعون بالحياة بطرق عديدة، كثيرة. وهم في العادة يقولون: "ولكنني أشد اكتئاباً من أن أقوم بذلك.". حسناً، إن ذلك صحيح نوعاً ما، ولكنه ليس الجواب الكلي. إنهم حتى لا يقومون بالمحاولة، أو ما يكفي من المحاولة لإثراء حياتهم لأنهم يعتقدون أن أفضل طريقة لشفاء المرء هي تركيزه الكامل على مشكلاته. ولكنها ليست أفضل طريقة ـ إنها أسوأ طريقة.

إن تركيز المرء على مشكلاته يجب ولابد أن يسير مع التوسيع والتشديد المتزايدين لاهتمام المرء بالحياة. وقد يكون الاهتمام بالفن، وبأشياء كثيرة، ولكنني أعتقد أنه يجب أن يكون كذلك بالأفكار. وأنا لا أفكر كثيراً في التشكّل الفكري الخالص للعقل، بل في إثراء العقل. ويصبح السؤال شديد الملموسية: ماذا يقرأ أي شخص؟ وبودي أن أقول إن على المرء أن يبدأ بالقراءة، وبقراءة الكتب المهمة، وبقراءتها بجدية. ولديّ الانطباع بأن المنهج الحديث في القراءة هو منهج توجّهه الفكرة القائلة بأن على المرء ألا يبذل الكثير من الجهد، فيجب أن تكون سهلة، ويجب أن تكون مختصرة، ويجب أن تكون ممتعة على الفور.

وحتماً هذه أوهام كلها. فما من شيء مفيد يمكن أن يعمله المرء أو يتعلمه من دون أي جهد، ومن دون بعض التضحية، ومن دون تدريب. وكل الفكرة حول التعلّم في ستة دروس سهلة هو مجرد انتزاع مال الناس من جيوبهم. وهي لغو كامل، ولكن هذه هي الروح التي تنتشر على ما أعتقد في كل السكان ولكن ليس في شكلها الخام، وعلى الرغم من أننا ننشر الكثير من الكتب، فإن عدد الكتب التي تُقرأ بجدية، وتُحدِث حقاً نُقرة في الشخص، وتُحدِث تغييراً في حياته، فأعتقد أنه عدد شديد الندرة اليوم. ولهذا فهنا مسألة كبيرة تتعلق بالطريقة التي يقرأ بها المرء، وماذا يقرأ.

وفيما يتصل بالقراءة فلا ريب أن المسألة الأولى هي أن الشخص يبدأ في تشكيل اقتناعاته، وامتلاك القيم والتوجيهات إلى ما يريد أن تسير عليه حياته. وإذا لم يفعل ذلك، فلابد أن يتخبط. ويبدو لي أن المرء لا يقرأ في الحقيقة أي شيء من المأثورات لأنه يظن أن عليه أن يكتشف ذلك بنفسه. وأعتقد أنها فكرة بالغة السخف والجهل، لأن اجتماع أعظم عقول العالم في شخص واحد واكتشاف المرء كل ذلك بنفسه، يُظهران حقاً أن المرء ليس جاداً. فذلك المرء ليس مولعاً باكتشاف الأشياء الكبيرة، والأشياء الجديدة، والأشياء المثيرة. ومع ذلك فإن جل الناس لا يحصلون على خبرة الإثارة الشديدة الموجودة في الاكتشاف، في رؤية شيء جديد أو بحث عن شيء جديد. ولكن المرء إذا لم يصل في النهاية إلى مفهومات للحياة، والتوجّه، والقيم، والاقتناعات، التي لا يضعها الآخرون في المرء بل هي نتيجة خبرة المرء، إلا أنه يلتقطها كذلك من القراءة النقدية الفعالة والإنتاجية لكل ما لابد أن كان لدى المرشدين العظام للعقل الإنساني، فلا أعتقد أن المرء يمكن أن يصل أبداً إلى الشعور بالأمن، والشعور بالأمان، وإلى امتلاك مركز له.

إن تلك الفكرة كلها ليست اليوم فكرة على الدُّرْجة الجديدة جداً، لأن الناس سوف يعتقدون أن ذلك دوغمائي، يقيني جازم، وأنه تسلّطي وسوف يعتذرون بحجة أنهم يريدون الاكتشاف بأنفسهم. وأساساً فإنه لمن الهمجية التخلي عن التعلّم من الأشياء العظيمة التي أبدعها الجنس البشري. ذلكم هو الموقف في رأيي وهو غباء. ولكن المرء يحرم نفسه باسم الاستقلال، وباسم رفض السلطة، من أن يتغذّى، من أن يتأثّر، من أن يُروى، ومن الحصول على ضياء الشمس، ومن كل ما يحتاجه العقل الإنساني لكي ينمو. ويمكن أن يكون المرء نباتياً فيما يتعلق بالطعام، ولكنه إذا كان نباتياً فيما يتعلق بالغذاء العقلي والروحي ورفض معظم ما هو موجود، فإن عقله سيجف إلى حد كبير.

* مقتبس من كتاب: فــن الإصــغاء-إريك فروم

اضف تعليق