من البديهي ان يخسر الانسان صراع او معركة او رهان او حتى مباريات رياضية او غير ذلك على الرغم من رغبته في الكسب وبذله اقصى الجهود في سبيل ذلك، ومن الطبيعي ان يصاب الخاسر بنوبات من الاحباط والتوتر والعصبية ويرافق ذلك تبرير الهزيمة او محاولة القاء اللوم على اسباب في معظمها غير حقيقية ادت الى هذه الهزيمة.

معظم البشر لا يتقبلون الخسارة ولا حتى الاعتراف بالقصور وقد يقودهم عدم الاعتراف هذا الى السقوط اكثر لأن اساس معالجة أية مشكلة هو الاعتراف بوجودها، اليس الخسارة او الفشل نقطة انطلاق لنجاحات جديدة تمحي اثر الخسارة؟، ولماذا نعتبر الخسارة نهاية المشوار؟، اما يفترض ان تعطي الخسارة دافعية باتجاه تحقيق الهدف؟، اذن لماذا نرفض تقبلها رغم كونها حقيقة؟

في المجتمعات ذات الصبغة المتقدمة او لنقول الاكثر مدنية يجري التعامل مع الخسارة على انها جزء مهم في الحياة او جزء اصيل منها فليس للمنطقة البيضاء في الة البيانو ان تعطي معزوفة دون المرور بالمنطقة السوداء بمعنى ان الحياة اسود وابيض وبالتناوب يكون لها طعم عذب فيكون الاستشعار لهذا الجمال اكثر بالمقارنة فيما لوكانت الحياة تسير على وتيرة واحدة وان كانت جميلة، فكما يحدث نجاح وانتصار واشعاع لابد من وجود هزيمة وهبوط وخفوت وانطفاء وهذه الثنائية هي التي تسير امورنا ولابد من التقبل لهذه الحقيقة شئنا او ابينا والتعامل معها بعقلانية ورشاد.

ومن هذا التفسير نرى ان الكثير من الناس في تلك المجتمعات اكثر توافقا مع انفسهم، فهم يتقبلون الخسارة وعبرها يصححون من مستوى ادائهم الشخصي، على عكس المجتمعات التي تنخفض فيها قيم التمدن او اتصافها بالعصبية البدوية كما الحال في المجتمع العربي فأنها يرفضون الخسارة رفضاً قاطعاً ويرفضون التعامل معها او مناقشة اسبابها ويعتبرونها ضعف يقلل من قيمة الانسان ويحط من كرامته ويجعله ذليل امام المجتمع وامام نفسه، وان وجد ما يبرر الخسارة ويبرر حصولها، ففي مجتمعات لا تتبقل غير الفوز او النجاح وتفتقر الى المرونة والموضوعية وحتى العقلانية في التعامل مع الخاسرة فأنهم في الكثير من الاحيان يقفون طويلاً قبل الخوض في تجربة تحتمل الخسارة او وقد ينسحبوا منها قبل البدء.

والعربي على وجه الخصوص يرى ان الهزيمة في أي مجال يقف وراءها مؤامرة او استهداف ممنهج ومخطط له ويدافع عن احقيته بالانتصار على كل من سواه حتى لو لم يمتلك سببا واحدا لهذه الأحقية، كما انه يرفض الملاحظات العلمية التي يقدمها مديره او مسؤوله في العمل حتى وان كان يبلغ من الخبرة مراتب ويعد ذلك تدخل مقصود لإفشاله وهذا هو تبرير للعجز الذاتي والإمكانيات المتواضعة، وعدم تحلينا بأي ثقافة للاستفادة من أخطائنا الشخصية ولا من خبرة الآخرين والنتيجة خسائر متتالية.

من اساليب التربية الخاطئة انها حصرت النجاح في تخصص معين او في الدرجة التامة التي يحصل عليها الابناء دائماً في كل تخصص يدرسوه او يعملوا فيه، وبذا حملوا فوق طاقتهم وأرعبوا من فكرة الخسارة، وهذا خطأ فادح فهم ليسوا آلات بل أرواح وعقول، والخسارة يجب ان تكون مدعاة لمضاعفة الجهود لتكون مصدراً من مصادر تميز الانسان، والضغط الذي يعيشه الانسان في سبيل بحثه عن المثالية يؤدي القصور في فهم صورة الحياة الزاهية ويؤدي لتعب النفس وتلف الأعصاب وتلك خسارة عظمى.

والاجدر ان نثمن بنيتنا النفسية ورصيدنا الثقافي وامكاناتنا الادائية قبالة امكانات الخصوم في تقيم انفسنا، غير اننا لسنا مبالغين او مستبعدين لحقيقة التحيز في البت في الكثير من الامور والمصداق ما يحدث من ظلم للمشاركين في الكثير من المسابقات ومنها المسابقات الادبية، فالانحياز لاحد والحط من نتاج احد لدواعي غير اخلاقية او اعتبارات اجتماعية او دينية او عرقية او غيرها، غير انه هذا لا يجب ان يكون شماعة نعلق عليها فشلنا وقصورنا وتخبطنا.

كما نعتقد ان فن تقبل الخسارة اصبح اليوم ضرورة من اجل نقد الذات الفردية والجماعية لتعديل مسارنا ما دام هذا ممكنا، وهذا الفن يجب ان يضمن في مناهجنا الدراسية ليتعلمه الناشئ ويستفيد من إيجابياته لتكون فيما بعد ثقافة مجتمعية عامة.

ونحن بحاجة الى خلق قواعد تسمح لنا بأستعادة قوانا عند الهزيمة وان يزيد اهتمامنا بالعلوم النفسية والاجتماعية على اعتبارها تيح لنا الدخول في راحة اكثر اطمئنان وصلة تعيد توطيد علاقتنا بإنسانيتنا المهددة.

في الخلاصة نقول: من الاعجاز ان تكون الحياة كلها انتصارات فالهزيمة هي الوجه الاخر للكسب ومن الصحي ان ننجح في اشياء ونخفق في اخرى لنعرف من نحن وماذا نملك وماذا نتعلم من الخسارة ونستدل طرق الوصول الى ماتأنسه ارواحنا وتريده عقولنا وتهواه قلوبنا.

اضف تعليق