إنسانيات - علم نفس

سيكولوجيا الشك

يعني الشك في الادبيات السيكولوجية ان العقل يكون محتارا بين فكرتين متناقضتين لا يكون قادرا على اختيار احداهما، فيما يكون على المستوى الانفعالي غير قادر على اتخاذ قرار بين الاعتقاد وعدمه، ويتضمن الشك عدم التأكد، وعدم الثقة بفعل او دافع او قرار، وفي القاموس المحيط يعني الشك، خلاف اليقين وجمعه شكوك، ويحدده في الشك بالأمر.

ويمكننا تصنيف الشك الى ثلاثة انواع:الشك الايجابي،ويعني التأكد وامعان الفكر قبل القيام بعمل له احتمالات متعددة،وذلك لضمان حماية الفرد لنفسه،وعدم تكرار الأخطاء،ولتعويد العقل على التروي والابتعاد عن التهور والسرعة في الأمور الحياتية المهمة.

والنوع الثاني هو الشك السلبي او سوء الظن بالآخرين،واوضح وصف له،قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظنً إن بعض الظن إثم)،وحديث للنبي (ص) في قوله(إياكم والظن،فإن الظن أكذب الحديث). ويكثر هذا النوع بين الموظفين الذين يشعرون بالنقص.وغالبا ما يؤدي هذا النوع من الشك الى:الغيرة،الحسد، الكراهية،البغضاء،الحقد، او الكيد بالآخر..فضلا عن تأثيراته السلبية على أداء المؤسسة وكم ونوع انتاجيتها.

اما النوع الثالث فهو الشك المرضي..وهو اخطر انواع الشك وأقبحها.ففيه تتحول حياة الفرد الى جحيم ويصبح رأسه اشبه بعش (زنابير) تدور فيه دوامة من أفكار وظنون سيئة بالآخرين تحرمه النوم في الليل والعلاقات الطيبة بالآخرين في النهار.

غير ان الصورة الأكثر شيوعا لهذا النوع من الشك يكون بين الزوجين..سببه الرئيس انعدام ثقة فيما بينهما ناجمة اما عن تفكير خاطيء او شعور بالنقص،او تصرفات من احدهما تدفع الآخر الى الشك بنوايا شريكه.

وما لا ينتبه له كثيرون ان الشك غالبا ما يبدأ من تصرفات بسيطة يفسرّها الطرف الثاني بأن لها معنى معينا،تؤدي الى ان تظهر عليه،رغما عنه، تغيرات بطريقة تعامله معه وحتى بنظرات عينيه..تصل في حالات الى غيرة تدمر العلاقة الزوجية..خاصة اذا كان الشك ناجما عن اوهام او ظنون اخلاقية.

واذا كانت بعض اسباب الشك ناجمة عن ان احد الزوجين يشعر برفض الطرف الآخر خاصة في العلاقة الحميمة بينهما،فان هنالك اسبابا تكون مرتبطة بطبيعة شخصية احدهما.فالزوج او الزوجة الذي لم يكن قد حصل في طفولته على الحب الكافي من الوالدين..قد يشعر بأنه غير محبوب ،فتأخذه ظنونه ان الآخر يمكن ان يتخلى عنه في اية لحظة ولأتفه الأسباب،وتضطره الى ممارسة الأسقاط بأن يضع الشريك،البريء،في دائرة الشك.

ليس هذا فقط،وهذا ما ننبه الأسرة العراقية الكريمة اليه،بل ان احد الزوجين اذا كان قد تعرض في طفولته الى الاهمال،او كان منطوياً ودون أصدقاء،او ان أسرته كانت تبالغ في تحذريه من الجميع،فان عقله يتبرمج على الشك بكل من حوله،ويستمر معه هذا الشعور إلى الزواج.

ولقد لاحظنا من الحالات التي تراجعنا ان الشك يكثر بين الزوجين اللذين يكون احدهما على قدر من الجمال،فان الشريك الأقل جمالا تتملكه الظنون بأن شريكه سيكون على علاقة بشخص اكثر جمالا،وأنها غالبا ما تنتهي بانهيار العلاقة الزوجية.

على ان أخطر انواع الشك المرضي هو ذلك الذي يجبر صاحبه على ارتكاب جريمة..قد يكون الضحية أعزّ ناسه.ففي احدى الزيارات التي كنت اصطحب فيها طلبتي الى مستشفى الرشاد (الشماعية)..التقينا برجل في الخامسة والثلاثين من عمره..قتل أمه!..لأنه كان يشك فيها انها ستضع له السم في أكله..مع انه حاصل على بكلوريوس تجارة من جامعة بريطانية!.

وتبقى ثمة حقيقة غائبة عن كثيرين،هي ان الشك يشكّل احد اهم الموضوعات التي تناولتها السينما والمسلسلات التلفزيونية..وان انجحها وأكثرها رواجا هي تلك التي استثمرت بضاعتنا..نحن السيكولوجيين!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1