لم تنتهي قصة الربيع العربي في اليمن بعد، شأنه كغيره من البلدان العربية الأخرى، حيث تميز هذا الربيع بقصة شكلت صدمة على مختلف الصعد وهي قصة حركة أنصار الله الحوثيين، فبرزت هذه الحركة في وقت قياسي كتشكيل وقوى عسكرية ذات استراتيجية فائقة التنظيم والتمدد في معقلها اولاً، أو المتمثل في مدينة صعدة ومن ثم باقي المدن والمناطق اليمنية الأخرى وخصوصاً العاصمة صنعاء ومن ثم الاستيلاء عليها في نهاية العام 2014، والذي تجسد اخيراً مع بداية هذا العام 2015 بعزل الرئيس والحكومة اليمنية وحل البرلمان وتشكيل مجلس رئاسي وبرلمان وإدارة عسكرية مؤقتة للبلاد.

هذه الاحداث تستوقف عدة تساؤلات؟ منها هل يتمكن الحوثيون بعمقهم التاريخي كزعماء للطائفة الزيدية وعقيدتهم التي تقترب يوما بعد اخر من الفرقة الاثني عشرية (الامامية)، وقوتهم العسكرية من حكم بلد يسوده التنوع الطائفي والولاءات القبلية قبل ولاءات الدولة وتنتشر فيه القاعدة وتحيط به دول لاتتوافق مع اهداف وعقيدة هذه الحركة.

في البداية لابد من التطرق الى افاق جديدة فرضت نفسها على مقومات الحكم في البلدان العربية، ومنها هذا البلد ونقصد هنا الاسس التي تمكن اي قوى او فصيل سياسي، او ديني، من ادارة الحكم في هذا البلد او ذاك، ففي السابق كانت المقبولية داخل البلد تشكل النظام وطريقة حكمه وفلسفته هي الاساس الرئيسي ويأتي من بعدها المقبولية والرضا الاقليمي والعالمي وهذا تبعا للمحاور والاقطاب العالمية الفاعلة، اليوم اضحت هذه الاسس معكوسة اي ان المقبولية الاقليمية والعالمية هي الاساس وتأتي من بعدها المقبولية والرضا الشعبي، هذه الاسس اثبتتها تجربة العراق بعد اسقاط النظام فيه عام 2003 والى يومنا هذا. وكذلك مصر بعد زوال حكم الرئيس السابق حسني مبارك، واليوم تطرق ابواب هذا البلد (اليمن).

فهل يتمكن الحوثيون من حكم وادارة قواعد السلطة فيه؟، هل يتمتعون بالمقبولية الخارجية وهي الاساس في ذلك فضلاً عن المقبولية الداخلية؟.

يدرك الحوثيون انهم امام تحديات خارجية كبرى وكذاك داخلية لاتقل شأنا عنها، ابرز تلك التحديات مواقف كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى وايران ايضاً، الولايات المتحدة من جانبها غاطسة في ازمات الشرق الاوسط لكنها وحسب المعطيات تشكل منطقة الخليج وخليج عدن اولوية استراتيجية لها فهي لا تساوم عليها، ويستنتج ايضاً انها غضت البصر عن تنامي الحراك الحوثي في اليمن وهذا ما يستقرأ من الاحداث، فالحوثيون عوضوا عنها الجهد العسكرية في محاربة القاعدة وهي حرب مكلفة اقتصادياً وعسكرياً والاخيرة تحتاج الى قوى على الارض للقضاء عليها وهذا ما تكفل به الحوثيون.

ايضاً الولايات المتحدة تبحث عن قوى متفهمة لمصالحها وواضحة في اهدافها وهذا تفتقده القوى اليمنية الاخرى وبقايا النظام السابق المتآكلة والمتصدعة، لذلك اضحى الطريق معبدا امام الحوثيين في اشغال هذا الدور.

العربية السعودية من جانبها سبق وان خاضت حرب عام 2009 مع الحوثيين على حدودها الجنوبية ولم تكسب اي شيء منها وهي القضاء على قوة ونفوذ هذه القوى الصاعدة في اليمن، ومع بداية موجة الحراك الجماهيري التي ابتدأت عام 2012 في اليمن والتي طالبت بإسقاط وتنحي حكم الرئيس السابق على عبد الله صالح، حيث تدخلت السعودية ايضا بمعية الدول الخليجية للخروج بحل توافقي يعطي للجماهير صورة مطالبها التي خرجت من اجلها، والاحتفاظ بجوهر مطالبها دون تحقيق، وهذا ما جذر وعمق الازمة منذ ذلك التأريخ.

خلاصة التحليلات تشير الى ان الدول الخليجية ومن ضمنها السعودية تدخلت في الربيع العربي في اليمن لسببين كما تشير معظم التحليلات وهي:

1- محاولة تطويق عدوى التغيير في محيطها والحفاظ على جوهر النظام وإبدال صورته فقط للحفاظ على مصالحها وخاصة تلك الحدود الشاسعة التي تربط بينها وبين هذا البلد والحيلولة دون وصول نظام قد يكون للإخوان المسلمين دور وريادة فيه.

2- الدور المحوري للحوثيين بعد دخولهم كجزء من الحراك الشعبي المطالب بالتغيير وقلقهم من مستقبل هذا الدور.

بعد الدول الخليجية تأتي ايران كطرف يتأثر ويؤثر بصورة مباشرة او غير مباشرة بالأحداث في اليمن، وخصوصاً تصدر الحوثيين للمشهد السياسي والتحكم في خيوطه فهي متهمة دوليا وإقليميا بدعم الحوثيين كونها تقترب منهم ايدلوجيا ومذهبيا، خصوصا وان المعطيات تشير الى تحول عدد كبير من الطائفة الزيدية الى المذهب الاثنا عشري (الامامي)، وفي المقابل وحسب المصادر لا يوجد على ايران اي دليل يثبت دعمها عسكريا، وماليا، للحوثيين لكن حركة الحوثيين تشكل بصورة مباشرة او غير مباشرة انجازاً استراتيجيا ً يصب في مصالحها التي من اهمها:-

1- تطويق السعودية عن طريق هذه الحركة العسكرية الصاعدة في الحياة السياسية والاجتماعية في اليمن.

2- تهديد وارضاخ عدد من الدول الخليجية المناوئة لها.

3- من المحتمل ان يكون للحوثيين دور في غلق خليج عدن الاستراتيجي في حال شن الولايات المتحدة الحرب على ايران..

داخليا يواجه الحوثيون تحديات كثيرة أبرزها تنظيم القاعدة المنتشر في هذه البلاد والذي شكل في ما مضى تهديداً لوجود وبقاء الحوثيين في مدينة صعدة وغيرها من المدن، كما يشكل العامل القبلي تحديا اخر امام حركة الحوثيين ومستقبلها، لذلك يلاحظ قيامهم ونجاحهم في كسب التحالفات والتفاهمات مع اغلب القبائل والقوى اليمنية سواء كانت من الطائفة الزيدية او من غيرها (السنية).

الجنوب اليمني الاخر يشكل تحديا وعقبه امام فرض الحوثيين هيمنتهم على اليمن بحكم الاغلبية السنية المطالبة بالانفصال عن الشمال وهنا سوف تلعب التناقضات الطائفية خصوصا عند تحريكها من قبل القوى الإقليمية والعالمية على اثارتها في المستقبل.

من خلال ما استعرض من تحديات داخلية وخارجية للحركة الحوثية في اليمن وبالخصوص التطورات الاخيرة، يتضح لنا عدد من الاستنتاجات لمستقبل هذه الحركة في اليمن وهي:-

1-الولايات المتحدة تساير حركة انصار الله الحوثيين في خطواتها السياسية والعسكرية في اليمن لكنها لم تصل الى مرحلة الدعم والتأييد المطلق لقيادة الحوثيين لليمن من شماله الى جنوبه، فهي لا تستطيع عرقلة هذه الحركة كونها تختلف عن غيرها من الحركات التي تجلت صورها بقوة بعد زوال الانظمة الدكتاتورية فيها فهم يختلفون عن المليشيات المسلحة في ليبيا وكذلك الاخوان المسلمين في مصر وغيرها فهم قوى عسكرية تتواجد على الارض اليمنية قبل احداث الربيع العربي كذلك تمتلك امتدادات جماهيرية وتحالفات مع اغلب القوى اليمنية الاخرى وتطبق برامجها السياسية والعسكرية بخطوات محسوبة ومدروسة.

2- من المؤكد ان الحوثيين ينشدون في مساعيهم الاخيرة اعادة الحكم لهم لكنهم وحسب التحديات، التي تطرقنا اليها سوف ينتهجون الواقعية السياسية وهي الابتعاد عن الواجهة التنفيذية والتشريعية والاحتفاظ بوضعهم كقوى مهيمنة تتحكم برأس السلطة التنفيذية والتشريعية، وغيرها من السلطات، فهم بخطوتهم العسكرية التي سيطرو بها على كثير من المدن اليمنية وكذلك السياسية يدركون ان استيلائهم على رأس السلطة في اليمن يضعهم في خانة الانقلاب غير المشروع ويفقدهم الكثير من المكاسب التي حصلوا عليها سابقاً.

3 - تعاني اليمن في الوقت الحاضر من وضع اقتصادي متدهور واجتماعي شبه متفكك سيزداد سوءا في المستقبل، وفي حال تصدر الحوثيين للمشهد تضعهم هذه الحقائق امام اختبار صعب، من المؤكد انهم لا يستطيعون معالجته وبالتالي يفقدون تلك المطاليب التي ثاروا بها مع الشعب لتغيير علي عبد الله صالح الرئيس السابق لليمن.

وفي النهاية لابد من الذكر ان حكم اليمن وادارته في الوقت الحاضر وإخراجه من ازماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بحاجة الى قوى تحظى بقبول الجميع في اليمن، والحوثيون الى الان لم يصلوا الى المقبولية الكاملة من الشعب اليمني فهم ينظر اليهم كمليشيا مسلحة من قبل ثلث السكان في اليمن وخاصة في المحافظات الجنوبية، ومن المحتمل ان يحكم الحوثيون اليمن لكن ليس في الوقت الحاضر، وانما في المستقبل بعد تجاوز الفترة الانتقالية التي حددها الاعلان الدستوري الذي اعلن عنه في الاسبوع الماضي.

* باحث مشاركة في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

اضف تعليق