إنسانيات - منظمات

الإصلاح الإداري والتضخمات الثلاث

(الموظفون، والهياكل التنظيمية، والإجراءات)

تقوم الكثير من التغيرات السياسية والإدارية في الدول (غير المستقرة) على أساس فكرة (إصلاح المؤسسات الحكومية) و(تحسين الخدمات العامة) و(كسب رضا المواطنين)، وقد تحدث هذه الإصلاحات الكبرى عن طريق ما يٌعرف بـ(الثورة) أي تغيير شامل في بنى وهيكل الدولة السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فيٌنسف ما كان من أفكار وقوانين ومؤسسات وسياسات، وتحل محلها أفكار وقوانين ومؤسسات وسياسات جديدة.

وقد تحدث هذه الإصلاحات عن طريق ما يٌعرف بـ(الانقلاب) على النظام، وهو في العادة ما يقوم به العسكريون الراغبون في مسك مقاليد الحكم، بناء على معطيات سياسية واقتصادية واجتماعية، حيث تحل قيادة سياسية جديد محل القيادة السياسية القديمة، دون المساس بأصل الأفكار والقوانين والمؤسسات إلا القليل منها.

وأول إجراء إداري لإصلاح المؤسسات الحكومية -في العادة- هو مساءلة القيادة السياسية والإدارية السابقة ومحاسبتها ومحاكمتها، بعنوان الفساد السياسي، أو التجاوز على المال العام، أو الخيانة الكبرى مثل (التخابر مع جهة أجنبية) أو التقصير في أداء مسؤولياتهم، أو ارتكاب جرائم إبادة، أو عدم عدالة النظام وغيرها من المسببات التي يفترض أن تكون سببا أساسا وراء القيام بالثورة أو الانقلاب.

ومع أن روح التغيرات السياسية والإدارية التي تحدث في الدول غير المستقرة، قائمة على أساس فكرة إصلاح المؤسسات الحكومية، وتحسين الخدمات العامة، وكسب رضا المواطنين، إلا أن غالبية الثورات والانقلابات، وحتى التداول السلمي الذي يحدث في البلاد الديمقراطية حيث تنتقل السلطة من الأحزاب الحاكمة إلى أحزاب المعارضة، لا تقوم بالإصلاح الجوهري المطلوب، وإنما تقوم بالإصلاحات الإدارية الشكلية، وهي إصلاحات مستعجلة تهدف إلى الإيحاء للشعب أن القيادة السياسية والإدارية الجديدة تسعى لعمليات تغيير وإصلاح شاملين.

فعلى سبيل المثال؛ عندما يأتي الشيوعيون إلى الحكم فان أول إصلاح يقوموا به هو مساءلة القوميين الذي يحكمون البلاد ومحاسبتهم، وعندما يأتي البعثيون فان أول إصلاح يقومون به هو محاسبة الشيوعيين ومحاكمتهم، أو محاسبة البعثيين الذين سبقوهم في الحكم، وعندما يأتي الإسلاميون فان أول عمل يقومون به هو مساءلة البعثيين ومحاكمتهم، وعندما يأتي العلمانيون فان أول عمل يقومون به هو مساءلة الإسلاميين ومحاكمتهم وهكذا.. فان الإصلاح عند هؤلاء المصلحيين يبدأ من تغيير الأشخاص، واستحداث المناصب الجديدة، والهياكل التنظيمية الجديدة.

وفي الواقع أن أكثر التغييرات السياسية والإدارية في هذه الدول-مع اختلاف وسائلها- ظلت تراوح مكانها دون أن تحدث خرقا حقيقيا في إصلاح المؤسسات الحكومة، ولا في تحسين الخدمة العامة، ولا في كسب رضا المواطنين، إذ هي سرعان ما تسير في طريق ما سبقها، وتنتهي إلى النهاية ذاتها.

فلماذا انتكست أكثر الثورات والانقلابات، بل حتى التغيرات السياسية والإدارية التي قامت على أساس التداول السلمي للسلطة؟ وكيف لها أن تحقق إصلاحا جوهريا حقيقيا في أداء المؤسسات الحكومية، وفي تقديم خدماتها العامة، وتحقق المزيد من رضا المواطنين؟

يمكن القول إن الإصلاح الإداري على نوعين، إصلاح شكلي وإصلاح جوهري، والإصلاح الشكلي إما أن يقع على الموظفين خاصة، حيث يرى المسؤول الجديد (الوزير مثلا) أن وزارته لا تؤدي مسؤولياتها المطلوبة، فيسعى إلى إضافة موظفين جدد من خارج الوزارة، يتولون بعض مفاصل الوزارة الأساسية، وهؤلاء في الغالب من بطانة الوزير وحاشيته أو إلى يسعى إلى استبدالهم بموظفين آخرين من داخل الوزارة نفسها. وفي كل الأحوال فان مثل هذا الإجراء سوف يحدث التضخم الإصلاحي الأول (تضخم الموظفين) حيث ينتج عن هذا الإصلاح زيادة في عدد الموظفين من جهة وبطالة بينهم من جهة ثانية. والسبب في ذلك هو اعتقاد العديد من المسؤولين الحكوميين أن الإصلاح إنما يكون عن طريق إضافة موظفين أو استبدال موظفين بموظفين.

وإما أن يقع الإصلاح الشكلي على الهيكل التنظيمي نفسه، ففي كثير من الأحيان يرى الوزير أن الدائرة الفلانية أو القسم الفلاني لا تؤديان مهمتهما كما يريد هو، وفي ذات الوقت لا يريد أن يمس مناصبهم وعناوينهم خشية أن لا يتعرض إلى انتقادات من الأطراف الإدارية والسياسية الأخرى المتنفذة، فيسعى إلى استحداث هيكل تنظيمي جديد، يحمل اسم جديد، ولكن مهماته مشابهة أو هي ذات المهمات التي يقوم بها الهيكل التنظيمي القديم، فينتج عن ذلك التضخم الإصلاحي الثاني (تضخم الهياكل التنظيمية) والذي ينتج عنه أيضا تضخم في المكان، وتضخم في الأموال، وتضخم في الخدمات المطلوبة، ومن نثرية، ومن سيارات، ووظائف جديدة...

وإما أن يقع الإصلاح الشكلي على الإجراءات التي تتبعها الوزارة أو الوحدة التنظيمية، فيرى الوزير أن سبب عدم قيام هذه الجهة بمهماتها هو بسبب الإجراءات التي تتبعها والتي ينتج عنها عدم فعالية الوحدة التنظيمية. وهي إما إجراءات قديمة غير مبرمجه، إما إجراءات مطولة، وإما إجراءات ينتج عنها فساد، فيسعى إلى إصلاحها أو استبدالها، فينتج عن ذلك التضخم الإصلاحي الثالث وهو (تضخم الإجراءات) حيث يضطر الموظفون للعمل على الإجراءات الجديدة والقديمة معا لأسباب تتطلبها طبيعة العمل نفسه.

والنوع الثاني من الإصلاح هو الإصلاح الجوهري أو الإصلاح التغيري، وهو الإصلاح الذي يستهدف ذات الغاية التي وجدت من أجلها الوحدة التنظيمية. ما هي غاية هذا التنظيم الإداري؟ وهل الغاية مازالت مطلوبة؟ هل هذه الوحدة تنفذ تلك الغاية؟ ما هي وسائل تحقيق غاية هذا التنظيم؟

حيث ينبغي أن يكون لكل وحدة تنظيمية غاية محددة، وهذه الغاية هي السبب في تأسيسها، فلابد للمصلح الإداري أن يتعرف على غاية هذه الوحدة، هل توجد لها غاية أم لا توجد لها غاية، فان وجد أنه ليس لهذه الوحدة الإدارية غاية محددة، أو أن هذه الغاية قد انتفت، أو أن هذه الغاية تقوم بها وحدة أخرى فيمكن له أن يحذف هذه الوحدة التنظيمية من الهيكل التنظيمي.

وإن وجد المصلح الإداري أن لهذه الوحدة التنظيمية غاية محددة، وان هذه الغاية مازالت موجود ومطلوبة، وأن لا وحدة تنظيمية تؤدي هذه الغاية، فان على المصلح أن يبقي على هذه الوحدة التنظيمية ولا يغير لا في موظفيها ولا في هيكلها التنظيمي، ولا في إجراءاتها، والسبب أنها تؤدي الغاية التي وجدت من أجلها.

وإن وجد المصلح الإداري أن لهذه الوحدة التنظيمية غاية محددة، وأن هذه الغاية مازالت قائمة ومطلوبة، ولكن لا تقوم هذه الوحدة بتقديم الخدمة المطلوبة منها كما ينبغي - كما هو حال الكثير من مؤسسات الخدمة العامة- فلابد أن يبحث عن أسباب هذا، وهي لا تخلو من الأمور الثلاثة:

1. الإجراءات: قبل أن يفكر بتغير أو استبدال أي موظف في هذه الوحدة على المصلح أن يقوم بإصلاح (الإجراءات) اللازمة التي تتطلبها الخدمة العامة، وهنا إما أن يقوم بتعديلها أو تبسيطها، أو إلغائها واستبدالها بإجراءات أخرى.

2. تغيير مدير الوحدة التنظيمية، فان وجد المصلح أن الإجراءات صحيحة وبسيطة وغير معقدة، ولكن المشكلة في الإدارة فانه يعمد إلى تغير المدير بمعاونه ولا يستبدله بمدير من جهة ثانية إلا أن يكون مطلعا تماما على غايات ومهمات وإجراءات الوحدة التنظيمية، لأن المدير الجديد هو أقل الموظفين معرفة بشؤون الوحدة، وأقلهم معرفة لا يصلح أن يكون مديرا لها.

3. تغير بعض موظفي الوحدة التنظيمية: في حال جرى تغيير مدير الوحدة التنظيمية، ولكن هذه الوحدة لم ترق إلى مستوى الغاية التي وجدت من أجلها، فيمكن للمصلح الإداري أن يغير بعض الموظفين وهم الموظفون الفاسدون لأنهم لا يريدون أن ترتقي الوحدة التنظيمية إلى غاياتها. والموظفون المهملون واللامباليون والسلبيون الذين لا يهمهم تحسين جودة الخدمة.

...........................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]

https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق