إن وظيفة الأديب الحقيقية لا تتمثل في أن يقدم للمجتمع وصفة جاهزة للخلاص، ولا في أن يتحول إلى شرطي يطارد الظالم أو جهاز رقابي يفرض الإصلاح بواسطة السوط؛ بل تكمن في أن يوسع مجال الرؤية، وأن يزعزع اليقين المتبلور ويمنح الإنسان قدرة على رؤية ذاته وعالمه من زاوية أخرى...

تتجدد بين الحين والآخر الأسئلة عن دور الأدباء والمثقفين في إنتاج الوعي وبناء المجتمع وصناعة التغيير فيه، وفقاً لمقاييس ذاتية كل واحد منا يعدّها النموذج المثالي الذي ينبغي أن يكون عليه المجتمع. ومشكلتنا هذه تكمن في أننا نجعل وجهات نظرنا هي السبيل الأمثل في تقييم العالم، ثم نجعل من الاتفاق معها معياراً للفاعلية والأثر. فمن لا يتفق معنا يصبح، في نظرنا، غير فاعل وعديم الأثر.

وإذا كان هذا الميل حاضراً في علاقتنا بالعالم عموماً، فإنه يصبح أكثر وضوحاً حين يتعلق الأمر بالأدب والثقافة؛ إذ نجعل رؤيتنا هي الفيصل الذي نحاكم به الأديب وما ينتجه. فإذا لم يرفع الأديب الصوت الذي نريد، أو لم يتخذ الموقف الذي نراه ضروريّاً، أو لم يدخل في معركة نعدّها جوهرية، سرعان ما نضعه في خانة العاجز أو غير الفاعل أو المنعزل عن قضايا مجتمعه.

وهنا يبرز سؤال أراه أكثر أهمية من سؤالنا المعتاد عن فاعلية الأديب: هل وظيفة الأديب أن يغيّر المجتمع، أم أن يغيّر العين التي ينظر بها المجتمع إلى نفسه؟ قد يبدو الفرق بين السؤالين بسيطاً، لكنه في الحقيقة يعيد تعريف وظيفة الأدب والثقافة. فحين نطالب الأديب بأن يغيّر المجتمع، فإننا نفترض ضمناً أن للأدب وظيفة مباشرة، وأن بإمكاننا قياس نجاحها بما تحدثه من نتائج ظاهرة. 

وكأن القصيدة مطالبة بأن تُسقط نظاماً، والرواية مطالبة بأن تصلح فساداً اجتماعيّاً، والمثقف مطالب بأن ينتج وعياً يمكن قياسه فوريّاً بحجم الاحتجاج أو مقدار التغيير الذي أحدثه في السلوك العام. لكن الأدب والمنتج الإبداعي لا يعملان بهذه الآلية المباشرة.

إن الأديب لا يمتلك جهازاً يقيس به أثر كلماته في الآخرين، ولا يستطيع أن يعرف أين تستقر قصيدته أو روايته في وعي قارئها. فقد يكون أثر النص مرئيّاً ومباشراً، وقد يكون خفيّاً وبطيئاً، وقد لا يتجاوز فرداً واحداً، لكنه مع ذلك يترك في وعيه شيئاً لم يكن موجوداً من قبل.

ولذلك فإن دور الأديب، في تقديري، لا يتمثل في أن يقدم للمجتمع وصفة جاهزة للخلاص، ولا في أن يردد ما نعتقد أنه الموقف الصحيح، وإنما في أن يوسع مجال الرؤية، وأن يضع الإنسان أمام أسئلة لم يكن يلتفت إليها، وأن يمنحه قدرة على رؤية ذاته وعالمه من زاوية أخرى.

قد يكتب الأديب عن الظلم، لكنه ليس مطالباً بأن يكون شرطيّاً يطارد الظالم. وقد يكتب عن الفساد، لكنه ليس مطالباً بأن يكون جهازاً رقابيّاً يفرض الإصلاح بواسطة السوط. وقد يختلف مع سلطة أو جماعة أو فكرة، لكنه ليس ملزماً بأن يحول نصه إلى بيان سياسي. 

إن قيمة الأدب ليست دائماً في أن يقول لنا: هذا فاسد، وهذا صالح، وهذا ما يجب علينا أن نفعله، وإنما قد تكمن في أن يجعلنا أكثر قدرة على رؤية الفساد والصلاح، واكتشاف الآليات التي تجعل الفساد يبدو أحياناً في صورة الصلاح، والصلاح في صورة الفساد. وهذه، في ظني، واحدة من أعمق وظائف الأدب.

إن النظرة التي تعزو كل خلل في المجتمع إلى قصور في وظيفة الأديب والمثقف نظرة غير منصفة. فثقافة المجتمع لا يصنعها الأديب وحده، ولا المثقف وحده، وإنما تتشكل عبر تراكمات طويلة تتداخل فيها القيم والنوازع بمختلف أشكالها، فضلاً عن التفاعلات اليومية التي تجري بعيداً عن أي توجيه مركزي.

إن الوعي المجتمعي ليس منتجاً ثقافيّاً جاهزاً يمكن أن يقدمه مثقف واحد إلى مجتمع بأكمله. إنه سيرورة معقدة تتشكل ببطء، وتتداخل في بنائها أصوات كثيرة، بعضها متعارض وبعضها متجاور، وبعضها لا يقصد أصلاً أن يكون جزءاً من صناعة الوعي.

ومن هنا فإن اختزال وظيفة المثقف في قدرته على شتم سلطان نراه مفسداً، بينما يراه آخرون مصلحاً، لا ينتج وعيّاً بالضرورة. فقد يكون الصراخ عاليّاً، لكن الرؤية تظل ضيقة. أما الوعي الحقيقي فيبدأ حين نمتلك القدرة على السؤال: لماذا نرى الأشياء بهذه الطريقة؟ وكيف تشكلت رؤيتنا؟ وما الذي يجعلنا نرى موقفاً معيناً حقّاً مطلقاً، ونرى الموقف الآخر باطلاً مطلقاً؟

هنا يبدأ دور الثقافة الحقيقي؛ حين لا تمنحنا إجابات فحسب، وإنما تعيد تشكيل الأسئلة التي نطرحها. ولعلنا إذا تأملنا في تاريخ الأدب، وجدنا أن كثيراً من الأسماء التي ننظر إليها اليوم بعين التعظيم والتبجيل، ونعدها أصواتاً كبرى في مجتمعاتها وأزمنتها، لم تكن صورتها في لحظة إنتاجها مطابقة تماماً للصورة التي استقرت لها في الذاكرة الثقافية. فالتاريخ لا يحفظ الأدباء كما كانوا فقط، وإنما يعيد اكتشافهم وتأويلهم وترتيب مواقعهم كلما تغيرت الأسئلة التي يطرحها الحاضر.

وهذا يعني أن أثر الأديب قد لا يكون معاصراً له بالضرورة. قد يكتب نصّاً لا يجد صداه في زمنه، ثم يأتي قارئ بعد عقود فيكتشف فيه سؤالاً كان مجتمعه عاجزاً عن طرحه. وقد تظل رواية هامشية في زمنها، ثم تستعيدها أجيال لاحقة لأنها وجدت فيها ما يضيء تجربتها الخاصة، ومن ثم قد تنظر إليها بوصفها واحدة من القوى الثقافية التي أسهمت في صناعة التحول في المجتمع.

فهل كان ذلك الأديب غير فاعل؟ ربما تكمن المشكلة في مفهومنا للفاعلية نفسه. نحن نريد للأثر أن يكون حاضراً كي نعترف به، ومباشراً كي نقيسه، وجماعيّاً كي نعدّه مهمّاً. لكن الثقافة لا تعمل دائماً بهذه الطريقة. فبعض آثارها يشبه الماء الذي يتسرب ببطء إلى طبقات عميقة لا نراها، ثم يظهر بعد زمن في مكان آخر. وبعضها لا يغيّر سلوكاً، وإنما يغيّر سؤالاً. وبعضها لا يغيّر موقفاً، وإنما يزعزع يقيناً. وربما كان زحزحة اليقين أحياناً أكثر أهمية من تقديم يقين جديد.

لهذا لا أظن أن الأديب مطالب بأن يكون “لسان المجتمع” بالمعنى الذي يجعل منه ممثلاً رسميّاً لجماعة أو مرحلة أو موقف. الأديب ابن رؤيته قبل أن يكون ابن توقعات الآخرين منه. وقد يكون اختلافه عن السائد هو بالضبط ما يمنح وجوده الثقافي قيمته.

وهنا لا يكون السؤال: ماذا فعل الأديب للمجتمع؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ما الذي جَعَلنا الأدبُ قادرين على رؤيته؟ فربما كانت أعظم وظيفة للأدب ألا يغيّر العالم مباشرة، وإنما أن يغيّر العين التي تنظر إليه؛ لأن العالم، في كثير من الأحيان، لا يبدأ بالتغير حين تتغير الأشياء، وإنما حين تتغير الطريقة التي نراها بها.

اضف تعليق