الأجمل في هذه التجربة أنها تكسر الصورة التي ترسخت في عالم اليوم، حيث أصبحت العلاقات الإنسانية أكثر برودة، وأصبح الإنسان محاطًا بوسائل اتصال لا حصر لها، بينما تتراجع المساحات التي يشعر فيها بالانتماء الحقيقي. ففي زمن تُغلق فيه بعض المجتمعات أبوابها خوفًا من الآخر، تفتح طريق الأربعين أبوابها لملايين الغرباء...

في إحدى محطات طريق النجف إلى كربلاء، وقف شاب من أميركا اللاتينية يحمل حقيبة سفر صغيرة، ينظر حوله بحيرة واضحة. كانت هذه زيارته الأولى إلى العراق، ولم يكن يعرف من العربية سوى كلمات قليلة، بينما لم يكن معظم أصحاب الموكب يتحدثون الإنجليزية. حاول أن يشرح أنه يبحث عن مكان يستريح فيه قبل أن يكمل المسير، لكن الكلمات خانته، وبقيت الإشارات وحدها تتحدث. لم يحتج الأمر إلى ترجمة.

تقدم رجل خمسيني، أخذ الحقيبة من يده بابتسامة هادئة، وجاء شاب آخر يحمل كوب ماء باردًا، بينما أشارت امرأة مسنّة إلى مكان مهيأ للجلوس، ثم وضعت أمامه بعد دقائق وجبة طعام أُعدّت كما لو أنها كانت تنتظر وصوله منذ الصباح. لم يسأله أحد عن جنسيته، ولا عن دينه، ولا عن لغته، ولا عن قدرته على الدفع. كان السؤال الوحيد الذي تكرر أكثر من مرة: هل تحتاج شيئًا آخر؟

بعد انتهاء رحلته، كتب ذلك الشاب على إحدى منصات التواصل: "كنت أستطيع أن أشتري الطعام في أي مكان من العالم، وأستطيع أن أحجز غرفة في أي فندق، لكن ما وجدته في العراق لم يكن معروضًا للبيع. لأول مرة شعرت أنني وصلت إلى بيت لا يعرفني أصحابه، ومع ذلك عاملوني وكأنني واحد منهم".

قد تبدو هذه القصة شخصية، لكنها في الحقيقة تختصر ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل. فما الذي يجعل ملايين الناس يفتحون أبوابهم وقلوبهم لوجوه لم يروها من قبل؟ وكيف استطاعت زيارة الأربعين أن تحول الضيافة من عادة اجتماعية إلى ثقافة إنسانية تتجاوز الحدود واللغات والهويات؟

في معظم ثقافات العالم، تنشأ الضيافة داخل دوائر محددة؛ العائلة، أو الجيران، أو الأصدقاء، أو أصحاب المصالح المشتركة. أما الغريب، فيبقى غالبًا خارج هذه الدائرة حتى يثبت حضوره أو تتشكل علاقة معه. وعلى طريق الأربعين يحدث العكس تمامًا؛ فصفة "الغريب" تكاد تختفي منذ اللحظة الأولى. يكفي أن يكون الإنسان سائرًا على هذا الطريق حتى يصبح جزءًا من مجتمع مؤقت، تجمعه بالآخرين رابطة إنسانية قبل أي تعريف آخر.

لهذا لا يشعر الزائر القادم من آسيا أو أوروبا أو إفريقيا أو الأميركتين أنه في بلد لا يعرفه، لأن لغة الاستقبال تسبق لغة الكلام. فالابتسامة، والإشارة إلى مكان الجلوس، وكأس الماء، والحرص على راحته، جميعها تتحول إلى مفردات عالمية يفهمها الجميع من دون مترجم.

وهنا تبرز قيمة تستحق التوقف عندها؛ فالضيافة في الأربعين لا تُقاس بما يُقدَّم على المائدة، وإنما بما يُمنح للإنسان من شعور بالأمان والقبول والاحترام. الإنسان، بطبيعته، لا يبحث دائمًا عن الطعام بقدر بحثه عن مكان يشعر فيه بأنه غير مهدد، وغير منبوذ، وغير مضطر إلى إثبات أحقيته بالاحترام.

ربما لهذا السبب يعود كثير من الزائرين الأجانب وهم يتحدثون عن الوجوه أكثر مما يتحدثون عن المواكب، وعن دفء الناس أكثر مما يتحدثون عن الخدمات. فالذاكرة الإنسانية تحفظ المشاعر قبل التفاصيل، وتحتفظ بالإحساس الذي تركه الآخر في القلب أكثر من احتفاظها بعدد الوجبات أو أماكن المبيت.

ومن زاوية علم الاجتماع، تمثل هذه الظاهرة نموذجًا لما يسمى "رأس المال الاجتماعي"، أي شبكة الثقة والتعاون التي تسمح لمجتمع كبير بأن يعمل بصورة طوعية، اعتمادًا على قيم مشتركة لا على العقود والتعليمات. فالمضيف لا ينتظر مقابلًا ماديًا، والزائر لا يشعر بأنه مدين لأحد، ومع ذلك تستمر دورة العطاء بانسيابية مدهشة.

ومن اللافت أيضًا أن هذه الثقافة لا تنتجها المؤسسات وحدها، بل تصنعها الأسر والأطفال والشباب وكبار السن. فالطفل الذي يقدم قارورة ماء لزائر لا يعرف اسمه، يتعلم مبكرًا أن قيمة الإنسان لا ترتبط بجنسيته أو لغته، والشاب الذي يقضي أيامًا في خدمة الآخرين يكتشف أن العطاء ليس خسارة في الوقت، وإنما استثمار في بناء الذات.

ولعل الأجمل في هذه التجربة أنها تكسر الصورة التي ترسخت في عالم اليوم، حيث أصبحت العلاقات الإنسانية أكثر برودة، وأصبح الإنسان محاطًا بوسائل اتصال لا حصر لها، بينما تتراجع المساحات التي يشعر فيها بالانتماء الحقيقي. ففي زمن تُغلق فيه بعض المجتمعات أبوابها خوفًا من الآخر، تفتح طريق الأربعين أبوابها لملايين الغرباء دون أن تطلب منهم سوى أن يكونوا بشرًا يحتاجون إلى الاحترام.

وهذا يمنح الضيافة الأربعينية بعدها الحضاري.

فهي لا تقدم نموذجًا دينيًا فحسب، وإنما تقدم رؤية مختلفة للعلاقة بين الإنسان والإنسان. رؤية تقول إن الكرامة لا تُمنح وفق جواز السفر، ولا تُقاس باللغة، ولا تُختزل في الانتماء، وإنما تبدأ من الاعتراف بإنسانية الآخر.

والسؤال الذي يستحق أن يبقى بعد انتهاء الزيارة ليس: كم مليون إنسان سار في الطريق؟ ولا: كم ألف موكب شارك في الخدمة؟ وإنما سؤال آخر أكثر عمقًا: ماذا لو خرجت هذه الثقافة من طريق الأربعين إلى حياتنا اليومية؟

ماذا لو أصبحت المدارس تستقبل طلابها بهذه الروح؟ وماذا لو تعاملت الدوائر الرسمية مع المراجعين بالاحترام نفسه؟ وماذا لو شعر العامل، والموظف، والفقير، والغريب، بأن المجتمع ينظر إليه بعين الكرامة قبل أي شيء آخر؟

حينها لن تبقى الضيافة سلوكًا موسميًا، بل ستتحول إلى مشروع حضاري يعيد بناء الثقة بين الناس. ولعل العالم، وهو يراقب هذا المشهد عامًا بعد عام، لا يحتاج إلى أن يفهم كل تفاصيل الزيارة، بقدر حاجته إلى أن يتأمل الرسالة التي تحملها: أن الإنسان يستطيع، مهما اختلفت لغته وثقافته، أن يصنع مع أخيه الإنسان مساحة مشتركة من الرحمة والاحترام دون عقد، ودون مصلحة، ودون انتظار مقابل.

وربما لهذا السبب يغادر كثير من الزائرين الأجانب العراق وهم يحملون في ذاكرتهم أكثر من رحلة دينية؛ يحملون تجربة إنسانية نادرة جعلتهم يكتشفون أن الغربة لا تنتهي عندما تصل إلى بلد جديد، وإنما تنتهي عندما تجد قلوبًا تفتح أبوابها لك قبل أن تطرقها.

اضف تعليق