يحتاج المسؤول إلى عدالة ودقة وحُسن تصرف في التعامل مع الأموال العامة، فكما هو معلوم أن كل إنسان عنده شهوة للمال، قد تجعله أسيرا وضعيفا تجاه هذه المسؤولية، وربما يقع في المحذور، لهذا حدّد أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام صفات لابد أن تتوفر عند كل إنسان يوضع في موقع المسؤولية.

(الأمين هو الشخص الذي لا يخون الأمانة ولا يفرّط فيها)

سماحة المرجع الشيرازي

من المهام الرئيسة للدولة، أن تقلّص الفجوة الطبقية بين أفراد المجتمع، وخاصة في قضية توزيع الأموال والثروات بشكل عادل بين الجميع، وهذا الهدف الكبير والصعب يحتاج إلى موظفين وعاملين أمناء، ويجب أن تتوفر فيهم صفات خاصة حدّدها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في أكثر من مناسبة وخطبة، حتى يكون قادة المسلمين على علم بهذه القضية الحساسة التي تحتج إلى احتياط شديد ودقة وأمانة عالية كي يتم إنجازها بشكل صحيح.

تأتي أهمية هذه الجنبة لأنها تهم عامة الناس، حيث تحتاج إلى عدالة ودقة وحُسن تصرف في التعامل مع الأموال العامة والأموال التي يتم جمعها من المسلمين بحسب الأحكام الموضوعة والمنظِّمة لهذا النشاط البالغ الأهمية، فكما هو معلوم أن كل إنسان عنده شهوة للمال، قد تجعله أسيرا وضعيفا تجاه هذه المسؤولية، وربما يقع في المحذور، لهذا حدّد أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام صفات لابد أن تتوفر عند كل إنسان يوضع في موقع المسؤولية.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة الضرائب:

(يذكر أمير المؤمنين خمس مواصفات للذي يسلَّم له المال العام، أي مال الله تعالى، فيقول أن يكون (ناصحاً) ويعني أن يكون الذي تسلّم إليه وبيده الصدقات من أهل النصيحة والخير حتى يأتي بها ويوصلها إلى الإمام).

فالصفة الأولى أن يكون المؤتمَن على أموال الناس من أهل النصيحة، ومن يكون من هذا النوع سوف يكون من أهل الخير، وأي شخص ينتمي إلى أهل الخير سوف يكون محصّنا ضد (شهوة المال)، ولا يسيل لعابه بمجرد أن يرى أموالا بين يديه، لأن هناك من لا يراعي الأمانة، ولا يضع حدودا بينه وبين أموال الناس، وهذه مشكلة عانت منها البشرية كلها، قديما وحتى يومنا هذا، حيث السرقة والاختلاس والهدر وعدم وجود أدنى درجات الاحتياط.

من صفات المؤتَمن أن يكون رحيما

ومن الصفات المهمة التي يجب أن تتوفر عند الشخص الذي يؤتمن على أموال الناس هي أن يكون من أهل النصيحة، بحسب وصية الإمام علي عليه السلام، والصفة الثانية من الصفات الخمس، أن يكون ذا شفقة، ومن يحمل صفة الشفقة يكون قلبه رحيما، وينتمي إلى أهل الرحمة، وهذا النوع من الناس لا يمكن أن يتجرّأ على الأموال العامة أو الصدقات أو أموال الآخرين.

والسبب أن الشخص الرحيم الذي يتّصف بالرجمة، سوف يتعامل مع كل شيء وفق هذا المبدأ وتبعا لهذا السلوك الرحيم، فقلبه ونفسه وشخصه وتكوينه وإيمانه يمنعه من أن يمدّ يده على هذه الأموال، فتكون في حصانة وحماية الرحمة التي يتصف بها، وهذه هي الصفة الثانية بعد صفة النصح، وهنا تكمّل الصفتان إحداهما الأخرى، (الرحمة والنصح)، وكلاهما يمنعان المؤتمن على المال من التجاوز عليه، فيكون ذا حذر ودقة عالية في التعامل معه.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(يجب أن يكون مشفقاً ويعني الإشفاق أي أن يملك قلباً رحيماً. فالإنسان الذي له قلب رحيم يتعامل مع كل شيء بالرحمة النابعة من قلبه).

أما الصفة الثالثة التي أوجب وجودها الإمام علي عليه السلام في الشخص الذي يؤتمن على أموال الناس من الأموال العامة والصدقات هي الأمانة، بمعنى يجب أن يكون هذا الشخص أمينا، والأمين هو الذي لا يخون الأمانة مطلقا، ومهما كانت الأسباب بحيث لا يجد ذريعة ولا سببا ولا يقتنع مطلقا في أي حال من الأحوال بالتجاوز على الأمانة.

كما أنه لا يمكن أن يفرّط بها لأي سبب كان، ومهما كانت الضغوط التي تمارَس عليه، فلا يكفي أن يكون هو أمينا وملتزما ومنضبطا، بل عليه أن يكون حافظا للأمانة، وحاميا لها، وسدا منيعا ضد كل من يدفعه لكي يفرّط بها، فهناك بشر أشرار مخادعون يدفعون الناس الأمناء نحو خيانة الأمانة والتفريط بها، لذلك يجب الحذر من هؤلاء وعدم التفريط بها مطلقا.

لذا يقول سماحة المرج الشيرازي دام ظله عن الصفة الرابعة هي: (أن يكون أميناً، والأمين هو الشخص الذي لا يخون الأمانة ولا يفرّط فيها).

وهناك صفة أخرى لابد من توفّرها فيمن يؤتمن على المال العام والصدقات، وهي أن يكون محافظا عليها، ولا يسمح مطلقا في هدرها، أو التعامل معها وفق تبريرات واهية قد تسمح له بهدرها، أو تضييعها كونها ليست ملْكا له، وإنما هي أمانة عنده، فإذا يريد أن يحمي نفسه من ارتكاب المعصية عليه أن يكون حفيظا على الأمانة ويحميها كما يحمي نفسه.

الحفاظ على الممتلكات العامة

والصفة الخامسة والأخيرة التي حددها أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، أن لا يكون معنّفا لهذه الأموال، والمقصود هنا بعدم التعنيف، أن يكون المؤتمن رحيما شفوقا في تعامله مع الأموال العامة أيا كان نوعها أو شكلها، في السابق كانت الإبل من أموال المسلمين العامة التي تُجمع من الصدقات، فحين يستخدمها جامعو الصدقات والأموال يجب أن لا يعنّفوها ويجورون عليها لأنها من الأملاك العامة للمسلمين.

في الحاضر يقابل ذلك الآليات الحكومية العامة بمختلف أنواعها ومسمياتها، هذه أيضا بمثابة أمانة عند الموظفين الذين يستخدمونها، وعليهم المحافظة عليها كما يحافظوا على ممتلكاتهم الخاصة، فكل شيء عام ويعود لعامة الناس، يجب أن يتم التعامل معه بالشكل الصحيح الذي لا يؤدي إلى تدميره أو اندثاره لأنه من أموال الناس وليس ملكا للموظف الذي يستخدمه.

وهذا ما يؤكده سماحة المرجع الشيرازي في كلامه قائلا: 

(وأن يكون حفيظاً، أي أن يكون شديد الحفظ للأمانة، لأنّ حقّ الله هي أمانة الله عزّ وجلّ، وأن يكون غير معنّف لشي من (الأموال، أو الأمانات).

إذن هي خمس صفات واضحة ومهمة بل ملزمة لكل موظف أو عامل يتعامل مع الأموال العامة والصدقات، وقد ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام بوضوح بالغ، سواء من يجمع هذه الأموال مثل استحصال الضرائب أو جباية أموال الخدمات ومثيلها، أو الموظفين الذين يؤتمنون على الأموال العامة في الدوائر الرسمية وسواها.

هكذا كان ينصح الإمام علي عليه السلام موظفيه وعماله ويحذرهم ويطالبهم بالاحتياط الشديد والدقة العالية في التعامل مع أموال المسلمين من الصدقات أو سرواها، ويمكن لنا أن نعكس هذه التحذيرات وهذه الصفات على واقعنا في عصرنا اليوم، ونستفيد من هذه الطريقة في التعامل مع الأموال العامة والصدقات، بحيث تبقى في حصانة تامة، مؤمّنة بالصفات الخمس التي يجب أن يتصف بها كل شخص له تماس ومسؤولية تجاه هذه الأموال.  

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(هذه المواصفات الخمس التي ذكرها أمير المؤمنين صلوات الله عليه التي يجب أن تتوفر فيمن يؤتمن ويبعثه لجمع )الأموال) الصدقات حتى يسلّمها إلى رئيس الأمّة الإسلامية وإمام المسلمين).

من المؤمّل أن تصل هذه الكلمات والصفات الواضحة إلى كل الذين يتعاملون مع الأموال العامة التي تعود لكل الناس، ومع الصدقات أيضا، ومن المؤمل أن يستفيد كل من يعنيه هذا الأمر من الصفات الخمس التي حددها الإمام علي عليه السلام، وطبّقها على موظفيه وعماله وألزمهم بها، فقدم للجميع درسا متكاملا في كيفية التعامل مع الأموال وحمايتها ووضعها في خدمة أصحابها من دون تمييز أو تفريق.

اضف تعليق