قصة كبيرة لتقلبات سوق الكتاب ودورته في الحياة، او يوم قيامة الكتاب، نعيشها صبيحة كل يوم جمعة، لا تخلو من عِبرة وعَبرة، تبدأ حزينةً من بداية النشور في ساحة الميدان وكأن الأرض أخرجت أثقالها وسكرابها وأنزلت كل مافوق سطوح المنازل من خزائن الأمهات الى أرض الميدان، مراوح ودر نفيسات ومطارق حديد وقدور فافون وصحون طائرة وصوبات وبراغي واحجار رزق.

ولو كانت تجلب الرزق ما جلس باعتها على الرصيف لطلب الرزق، وكل ما يلفظ أنفاسه الأخيرة، مرورا بمحال بيع أدوات الحلاقة التي لا علاقة لها بالمكان والموضوع، و صعوداً نحو شارع المتنبي، وحيث تباع الكتب القديمة الرخيصة الأثمان، المنتقاة والمصفّاه بعناية مثل أي سلعة عفا عليها الزمن وقلً عليها الطلب، كالسكراب والتنزيلات الهائلة وتصفية المحال التجارية نهاية الموسم، في معرض كتاب مقام على الأرض البسيطة بلا جهةٍ راعية.

هنا تباع الكتب التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، والروايات والكتب الأساسية التي قرأناها في عمر الصبا أول مرة، و منها كتب تستحق وصفها بمنجم الأفكار التي انجبت أولى النظريات ولكن بأغلفة وتواريخ إصدار قديمة وورق أسمر مغبرّ وشخابيط كالتجاعيد والخطوط التي يحفرها الزمن على الخدود الناعمة، وحين تقلّب أكوام الكتب وتحصل على كتاب او كتيّب قيّم يباع بألف دينار تنظر في وجه البائع وتعرف من نظراته وعبراته انه أما مجرد بائع سكراب على باب الله لافرق لديه بين الكتاب القديم والصوبة القديمة، او بائع كتب قديمة خبير ربحه الوحيد هو التخلّص منها بعد إن ضاقت بها زوجته الحنون ذرعاً وناءت بكلكلِ، وهنا تجد الإصدارات الحديثة بورقٍ ناصع البياض، وكتب سُلقت سلقاً على عجل وأنفق عليها على عجل لأغراض التجميل والتزويق والترويج والدعاية والتأليه وماتت على عجل.

وعندما تقلّب صفحات الكتب السمر والبيض الحية والميتة التي تباع بألف دينار، تُشاطر المؤلفين الأسى على أيام شقاءهم وبحثهم وعزلتهم التي يعيشها الكتّاب لتجميع عصارة أفكارهم في كتاب يباع بألف دينار،في أرذل عمر الكتب.

لا أريد إدخال اليأس الى نفوس وعزيمة المؤلفين، فهذه هي سنة الحياة وسنة الكتاب، ولكلِ أجلٍ كتاب ولكلِ كتابٍ أجل، ومنها مايبقى مع الدهر ينهل منه الباحثون جيلاً بعد جيل، او يسرقه السارقون جيلاً بعد جيل، ولابأس أن يباع الكتاب بألف دينار لا غير ولا ضير، وهي في النتيجة إرثٌ مشاع وخلاصات تجارب وتدوين لابدّ منه وعلمٌ ومعرفة وصدقات جارية، او لعنات جارية ووثائق إدانة تشهد على كتّابها يوم القيامة (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) !

أما الوجه الآخر لهذه المقبرة الورقية العظيمة، فهو مشرقٌ وبرّاق، فكلما إقتربتْ خطواتكَ من سوق الكتاب تجد الكتب الرخيصة وقد تفجّرت وتشظّت وارتفع ثمنها وأخرجت من بطونها عشرات الإصدارات الجديدة بأغلفة لمّاعة وعناوين مبتكرة وطبعات جديدة، والكتاب الميت الذي يباع بألف دينار يتوارث أفكاره الأحياء في سوق الأفكار المنهوبة من مؤلفي كتب الألفية الدينارية الأولى التي (مالها والي) أي ليس لها والٍ كما يقول المثقفون في الأرض .

وفي دورة الكتاب وسوقه البغدادي الشهير قصة أخرى حزينة لباعة الكتب الذين باغتهم الناشرون الجدد والنشر الالكتروني على حين غرة ومسحت ثورة الإتصالات مهنتم بالأرض وطحنتهم طحن الرحى وقضمتهم قضم الإبل نبتة الربيع، يعيشون على حب الله وحب الكتاب وحب الاصدقاء عيشة المودّعين لهذه المهنة التي أغنتهم عن جوعٍ يوماً ما ولم تأمنهم من خوف.

فقد باتوا يعرضون مكتباتهم للبيع (شلعاً قلعاً) وتذهب انفسهم مع مكتباتهم حسرات، ويغادرون عمّا قريب مهنة بيع الكتب الى رواد لشارع المتنبي كسائر الرواد الذين يشربون الشاي ويلتقطون الصور، هذا الشارع الذي لايشبه نهاره المحمّل بأنواع الهموم، ليله المنبسط الأسارير، فعندما يأتي المساء تختفي الكتب القديمة والجديدة والأصيلة والمسروقة، وتصارع بعض المكتبات من أجل البقاء، ويطلع عازف الليل، ويظهر الوجه الآخر للشارع العتيق بوجوه أجمل وأناقة أكثر للعوائل التوّاقة للحياة ولرؤية الأضواء والنهر، بعيداً عن هموم المعقدين في الأرض.

اضف تعليق