عندما كنا صغارا، كنا نسمع من اهلنا في الريف حكايات وقصص تقترب من الاساطير عن شجاعة اجدادنا وبطولات عشائرنا، فمن غير المستغرب ان تسمع أما او أبا يحدّث اولاده عن كيفية مصارعة جدهم الأكبر للسبع حين التقاه في الطريق المقفر ذات يوم، وكيف قال له؛ ابتعد عن طريقي فأنا سبع وانت سبع! قبل ان يصرعه في واقعة لم يشهدها سوى رواة الحكاية المتخيلة هذه والذين يضيفون اليها مع الايام لتغدو بمثابة سردية القبيلة او الأرومة واسطورتها غير القابلة للتكذيب!

حين دخلنا المدراس وتقدم بنا العمر بعض الشيء، وجدنا انفسنا نقرأ اساطير اكبر، مختلفة بالشكل ومشابهة بالمضمون، تبدأ من تاريخنا القديم والانتصارات العظيمة التي حققها الاجداد مرورا بالتاريخ الوسيط وما رافقته من امجاد وصولا الى تاريخنا الحديث ورموزه المختلفة، وكل واحد من تلك الرموز له اسطورته الخاصة التي علينا ان نقرأها جيدا لننجح في الامتحان!

حين تقدم بنا الوعي وتخففنا من سطوة العشيرة اكتشفنا ان جدنا (قاهر السباع) لم يكن في الحقيقة سوى انسان مسكين امضى عمره حافيا بائسا، تحمّل سياط الاقطاعي وقسوة الجوع والامراض قبل ان يرحل عن هذه الدنيا تاركا اولاده واحفاده في مواجهة المصير الذي واجهه هو من قبل، وكان عليهم ان يمنحوا انفسهم جرعة فخر وزهو فارغين من خلال تلك الاساطير، ليخففوا من وطأة الحيف الذي يعيشون تفاصيله يوميا، مثلما اخذ هو الجرعة الوهمية نفسها من اهله وهكذا.

وايضا اكتشفنا، ان ما نفاخر به الشعوب الاخرى بوصفنا الاكثر بطولة والأشد بطشا، موجود لديهم وانهم شربوا من بئر الاساطير نفسه وتجولوا بين سردياتها حد التخمة مثلنا، وان اسطورتنا الخاصة لم تعد وحدها من نفاخر بها بين الشعوب والامم.

لم تسلم الثقافة من هذه الآفة المترحلة من اعماق التاريخ واعماق النفس البشرية معا، فالأخيرة مجبولة على الفخر لأنه غريزة، لكنها مقموعة وسط بيئة الجدب والقمع والحرمان وقتذاك، اذ لم تعد هناك وسيلة سليمة للتعبير عنها فالتجأت الناس الى الاستمناء بالخيال.

الامم الحديثة والقديمة على حد سواء، تسعى الى تعظيم رأسمالها الرمزي من خلال التفاخر بمبدعيها ومثقفيها مثلما في انتصاراتها والمجالات الاخرى، وهكذا وجدت العديد من الاسماء الثقافية والأدبية طريقها الى المنهج المدرسي لتدرّس بوصفها ايقونات وصارت تحاك عنها السرديات الحقيقية والمختلقة حتى غدت اساطير وبات التقرب منها بالنقد او اعادة قراءتها من التابوهات!

وهكذا اكتمل طوق الأساطير من حولنا، وباتت بنا حاجة لكسره بعدّة ثقافية وشجاعة لنرى الاشياء من حولنا بوضوح. فالكثيرون ممن يعدون اساطير في الشعر والسرد وغيرهما واغدقت عليهم الالقاب في مراحل سابقة، لم يعد يقرأ لهم الان الاّ قلة من الفضوليين، كون نتاجهم لم يصمد امام الزمن وبات غير صالح للاستعمال، وان مواقفهم السياسية (الوطنية) السابقة باتت تقرأ اليوم بعين مختلفة ولم يعد كثيرون يرونها كذلك، بل اصبحت محط شك وريبة من قبل الاجيال الجديدة، وان محاولة فرضهم على طريقة حكاية الجد الذي صرع السبع! لم تعد مجدية. كثيرون هم الذين صنعتهم الصراعات السياسية والعقائدية، ولعبوا هم على هذه التناقضات واستثمروها ليحيطوا انفسهم بهالة كبيرة، وستكون هذه مميزة اكثر حين يكونوا (متغرّبين) بذريعة (الموقف!)، بينما يهمل مبدعون كبارا او لم ينظر لهم بالهالة نفسها، لانهم آثروا ان يكونوا بين اهلهم ولم يلعبوا على الحبال او لم يجيدوا هذا اللعب ... ربما!

لقد بات علينا ان نفكك الكثير من الاساطير، ونتأمل في الواقع، وحينذاك سنجد الكثيرين بيننا ممن يستحقون الاستذكار الدائم والتكريم، وان تعففوا عنه بالزهد والصمت.. والإبداع وحده، ولم تكن بهم حاجة لأساطير!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن راي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق