اللغة الأم: 6 آلاف لغة محكية معرّضة للاندثار

اليوم الدولي للغة الأم في 21 شباط/فبراير

تحظى اللغات بثقل استراتيجي هام في حياة البشر والكوكب بوصفها من المقومات الجوهرية للهوية وركيزة أساسية في الاتصال والاندماج الاجتماعي والتعليم والتنمية. مع ذلك، فهي تتعرض جراء العولمة إلى تهديد متزايد أو إلى الاندثار كليا. وحين تضمحل اللغات يخبو كذلك ألق التنوع الثقافي وتبهت ألوانه الزاهية. ويؤدي ذلك أيضا إلى ضياع الفرص والتقاليد والذاكرة والأنماط الفريدة في التفكير والتعبير، أي الموارد الثمينة لتأمين مستقبل أفضل.

إن اللغات هي الأدوات الأقوى التي تحفظ وتطور تراثنا الملموس وغير الملموس. لن تساعد فقط كافة التحركات الرامية الى تعزيز نشر الألسن الأم على تشجيع التعدد اللغوي وثقافة تعدد اللغات، وإنما ستشجع أيضاً على تطوير وعي أكمل للتقاليد اللغوية والثقافية في كافة أنحاء العالم كما ستلهم على تحقيق التضامن المبني على التفاهم والتسامح والحوار.

فقد حذرت الأمم المتحدة من تعرّض التنوع اللغوي بشكل متزايد للتهديد مع ازدياد اندثار اللغات، فـ 40% من سكان العالم لا يحصلون على التعليم بلغة يتحدثونها أو يفهمونها، وفي اليوم الدولي للغة الأم، ووفق الموقع الرسمي لإحياء اليوم الدولي، تشير الإحصائيات إلى أن ما لا يقل عن 43% من اللغات المحكية حاليا في العالم والبالغ عددها 6,000 لغة معرّضة للاندثار. أما اللغات التي تُعطى لها بالفعل أهمية في نظام التعليم فلا يزيد عددها عن بضع مئات، ويقلّ المستخدم منها في العالم الرقمي عن 100 لغة.

وتحت شعار "تعزيز التعدد اللغوي من أجل التعليم الشامل والاندماج في المجتمع"، يحتفل العالم باليوم الدولي للغة الأم في 21 شباط/فبراير. واحتفال هذا العام يركز على دعوة صانعي السياسات والمربين والمعلمين والآباء والأمهات والأسر إلى توسيع نطاق التزامهم جميعا بالتربية متعددة اللغات، وإدماجها في التربية لتعزيز تعافي العملية التعليمية في سياق جائحة كـوفيد-19.

ويسهم هذا الجهد في عقد الأمم المتحدة الدولي للغات الشعوب الأصلية (2022-2032) الذي تتصدره منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وتضع تعدد اللغات في صلب قضية تنمية الشعوب الأصلية.

وتؤمن اليونسكو بضرورة استهلال التعليم باللغة الأولى أو باللغة الأم منذ سنوات الطفولة المبكرة كون الرعاية والتعليم في هذه المرحلة يكفلان إرساء أسس التعلّم.

ثراء التنوّع اللغوي

وبحسب اليونسكو، ثمّة تقدّم ملموس في إطار التعليم متعدد اللغات القائم على اللغة الأم، وما يقترن به من فهم متزايد لما يمثله من أهمية، ولاسيما في المراحل المبكرة من التعليم، فضلاً عن تزايد الالتزام بتطويره في الحياة العامة.

يُذكر أن فكرة الاحتفاء باليوم الدولي للغة الأم جاءت بمبادرة من بنغلاديش. ووافق عليها المؤتمر العام لليونسكو عام 1999 ليبدأ الاحتفال بهذا اليوم حول العالم منذ عام 2000.

ويصادف تاريخ 21 شباط/فبراير في بنغلاديش ذكرى نضال سكان بنغلاديش من أجل الاعتراف باللغة البنغالية.

وتشير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى وجود لغات عديدة عابرة للحدود في جميع أرجاء العالم، تقرّب بين الناطقين بها وتتيح تحويل الحدود إلى جسور بدلا من أن تكون عوائق وحواجز.

وقالت المديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، إن هذا اليوم مخصص لكل اللغات ويهدف إلى التذكير بقدرة اللغة الأم على توحيد الشعوب، ودعت إلى حماية كل اللغات، ولاسيّما لغات الشعوب الأصلية، ووصفت اللغة الأمّ بأنها وسيلة من وسائل حفظ التنوع والسلام.

وتؤكد اليونسكو أن اللغة السواحلية هي من أكثر اللغات العابرة للحدود ازدهارا وانتشارا إذ يتراوح عدد الناطقين بها بين 120 و150 مليون نسمة. وتُعد اللغة السواحلية مزيجا من عناصر لغوية مستمدة من اللغة العربية ومن اللغات المستخدمة في الشطر الجنوبي من القارة الأفريقية وفي القارة الأوروبية وشبه القارة الهندية.

والدول التي تُعتبر اللغة السواحلية فيها لغة وطنية أو رسمية هي تنزانيا، وكينيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، كما أنها لغة مشتركة بين السكان في أوغندا وبوروندي ورواندا وشمال موزمبيق وجنوب الصومال، وبدرجة أقل في ملاوي وزامبيا وجنوب السودان.

وتشير أزولاي إلى أن اللغات العابرة للحدود هي أيضا كنز من كنوز أميركا الجنوبية وصورة من صور التنوع الثقافي هناك، وتضم لغة الكيتشوا (لغة إمبراطورية الإنكا القديمة) التي تمخضت عن مجموعة من لغات الشعوب الأصلية التي يتراوح عدد الناطقين بها في الوقت الحاضر بين 8 إلى 10 ملايين نسمة من سكان الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي وكولومبيا وإكوادور وبيرو.

40% لا يتعلمون باللغة الأم

وبحسب اليونسكو، فإن التنوع اللغوي يتعرّض بشكل متزايد إلى التهديد مع ازدياد اندثار اللغات. ووفق المعطيات، فإن 40% من سكان العالم لا يحصلون على التعليم بلغة يتحدثونها أو يفهمونها، رغم التقدم الملموس في إطار التعليم متعدد اللغات القائم على اللغة الأم.

وتشير المديرة العامة لليونسكو إلى أن الدراسات أثبتت أن التعليم بلغة أخرى غير اللغة الأم يعيق التعلّم ويؤدي إلى تفاقم الفجوات والفوارق، في حين يؤدي التعليم ثنائي اللغة أو متعدد اللغات القائم على التدريس باللغة الأم إلى تيسير وتعزيز التعلّم وبذلك تعزيز التفاهم والحوار بين الشعوب.

تعزيز التعددية المبنية على التفاهم والتسامح

وأكد رئيس الجمعية العامة، تيجاني محمد باندي، على دور اللغات العابرة للحدود واللغات المشتركة في تعزيز التعددية المبنية على التفاهم والتسامح والحوار. وقال: "إن التعليم الجيد مهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. كما أن الشمولية تسلط الضوء على جوانب التنمية البشرية الأساسية من أجل تحقيق الوحدة والتعاون والتفاهم والشراكة."

وأضاف أن الاعتراف باللغات الأم وتعزيزها يمنح لغات الأقليات شعورا بالانتماء. وأضاف يقول: "مع تزايد الهجرة فإن تعزيز اللغة الأم يساعدنا على خلق تأثير ثقافي إيجابي وتحسين التنمية الاقتصادية." وأكد السيد تيجاني محمد باندي على الحاجة إلى إعادة "تكريس" تعاليم اللغة الأم والالتزام بها في المدارس من أجل معالجة قضية قمع الهويات الثقافية والتراث.

تهديد التنوع اللغوي

كل أسبوعين تختفي لغة آخذة معها تراثا ثقافيا وفكريا كاملا، وفيما يتعرض التنوع اللغوي لتهديد متزايد تحيي الأمم المتحدة في الحادي والعشرين من فبراير/شباط من كل عام اليوم الدولي للغة الأم لرفع الوعي بضرورة تعزيز التعدد اللغوي والثقافي.

اعتمد هذا اليوم عام 1999 بقرار من المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو. سفير بنغلاديش لدى الأمم المتحدة مسعود بن مؤمن قال إن بلاده كانت القوة الدافعة الرئيسية وراء اعتماد هذا اليوم.

وتحدث، في حوار مع أخبار الأمم المتحدة، عن مظاهرات الطلاب البنغاليين عام 1952 من أجل حماية وحفظ لغتهم الأم. وقال مؤمن إن التعددية اللغوية تعزز التسامح وثقافة السلام والتناغم.

وفيما يقول البعض إن اندثار لغة ما هو إلا جزء من التطور الطبيعي للبشر وإن أصحاب هذه اللغة يتحولون إلى اعتماد لغة أخرى في كل الأحوال، شدد السفير البنغلاديشي على ضرورة حماية "تراثنا وثقافتنا وجودنا."

"على نفس المنوال، هناك دول جزرية صغيرة، وإذا ارتفع منسوب البحار قد تمحى هذه الدول من الوجود، فلماذا يتعين علينا الاهتمام بحماية أراضي هذه الدول التي يقدر عدد سكان كل منها بعدة آلاف يمكن أن ينقلوا إلى مناطق أخرى؟ بالطبع لا، هؤلاء السكان يعتزون بدولهم وبهوياتهم وينطبق هذا الأمر على اللغات التي تعد انعكاسا للهوية، ورابطا بين الأطفال وتاريخهم وأسلافهم. لذا من المهم حماية هذه اللغات المهددة بالاختفاء."

وقال مؤمن إن بنغلاديش أقامت مركزا دوليا للغة الأم لإجراء الأبحاث على اللغات المندثرة وكيفية حمايتها والحفاظ عليها.

ووفرت المنظومة التعليمية في بنغلاديش مؤخرا نظاما يوفر للأطفال من الأقليات تعليما بلغتهم الأم إلى جانب اللغة الرسمية البنغالي وأيضا الإنجليزية. وعلى مستوى العالم لا يحصل 40% من السكان على التعليم بلغة يتكلمونها أو يفهمونها.

وأهابت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالدول الأعضاء ’’التشجيع على المحافظة على جميع اللغات التي تستخدمها شعوب العالم وحمايتها‘‘. وأعلنت الجمعية العامة، في نفس القرار، سنة 2008 باعتبارها سنة دولية للغات لتعزيز الوحدة في إطار التنوع ولتعزيز التفاهم الدولي من تعدد اللغات والتعدد الثقافي.

وتنقسم لغات العالم إلى عائلات لغوية، كاللغات الأفريقية الآسيوية واللغات الهندية الأوروبية، حيث تحوي كل منها عددًا من اللغات ذوات الأصول والخصائص المتشابهة.

وبحسب بعض المصادر فان عدد اللغات يتراوح ما بين ثلاثة الاف وعشرة الاف لغة، وفي كتاب تصنيف لغات العالم الصادر عام 1977 نجد هناك عشرين الف لغة ولهجة.

اضف تعليق