إذا كان الإعلام عموماً يمثل الجهاز العصبي في نقل وانتشار المعلومة إقليمياً وعالمياً، فإن الإعلام العلميَّ يمثل العقل في الجهاز العصبي لنقل المعلومات، نظراً لأهمية المعلومة لدي القارئ والمستمع في تشكيل وعيه وثقافته، وإشاعة المنهج العلمي في التفكير والإبداع، وبالتالي القدرة على مواجهة الأزمات والمشكلات بفاعلية أكثر، وهو أمر أصبح في الدول المتقدمة ثقافةً شائعةً بين الجمهور، ووظيفة مهمة لوسائل الإعلام في نشر الثقافة العلميّة والتكنولوجيا وتبسيطهما على نطاق واسع، وتقديمهما بصورة جذابة مشوقة وسهلة، لإثارة حب العلم، الذي يغذّي خيالهم ويفجر طاقاتهم الإبداعية. فالإعلام العلمي ليس رفاهيةً، بل مطلباً علمياً لتنظيم التواصل والعمل بدون أخطاء، لبناء مجتمع علمي بعيداً عن العشوائية الإعلامية التي قد تصيب، ولكنها قد تخطئ أيضاً.

لا يزال الحديث حول تأثير الثورة العلمية على البيئة والفكر والحياة البشرية مستمراً، والجدل حول نِعَم العلم ونِقَمه متصلاً؛ ولكن الكل على الأرجح متفق مع المفكر الأمريكي (ألفين توفلر) في كتابه الشهير (صدمة المستقبل)، أن العلوم والتقنية قد تحولت إلى أداة لقلع الكثير من الأسس القديمة والتقليدية السائدة في المجتمع البشري، وإعادة تشكيلها وفقَ مفاهيمَ ومنظوماتٍ جديدة، من خلال إعلام علمي يؤدِّي إلى التواصل المستمر بين الحركة العلمية وعامة الجمهور.

والإعلام العلمي هو إعلام متخصص في مادته، مبسَّط في طريقة تناوله وطرحه، يتوجه لجمهور عام متنوع الاهتمامات، متباين في مستوياته العلمية، يهتم بتوصيل المعرفة لهم من خلال أسلوب مبسط وواضح، ولغة تفتقد إلى صفة التعالي على القراء أو التقعر أو الغرابة، فيها مبدأ الوضوح والمعاصرة والملاءمة والجاذبية والاختصار والمرونة والقابلية للتطور، يناقش الأفكار، ويعرض النتائج التي تحقق فائدة للناس، وهو لا يهتم بالأساليب، بل يعرض النتائج بأسلوب سلِسٍ، والأهم من ذلك أن يحافظ على لغة العلم ويعرضها في تشويق وجاذبية.

عربياً، وحسب الإحصائيات الأخيرة، يكفي أن نعلم أن عدد المجلات العلمية الجادة التي يتم توزيعها في الوطن العربي بهدف التثقيف العلمي، لا يتجاوز 15 مجلة ورقية، وأن عدد المواقع الإلكترونية العربية التي تهدف للتثقيف العلمي، لا يتجاوز 40 موقعاً، مما يعني وجود مشكلة كبيرة في الناحية الكمية، بالإضافة للمشكلة النوعية في كفاءة المحرر العلمي.

كما أن وسائل الإعلام العربية جعلت شرائح كثيرة من المجتمع تهتم بمتابعة أخبار اللاعبين ومتابعة أخبار الفنانين، من خلال حجم تغطية الأحداث الرياضية والفنية، وهو يفوق بمراحل حجم تغطية الأنشطة الأخرى بما فيها الأنشطة العلمية، وهو دليل على سطوة وسائل الإعلام وقدرتها على توجيه الجماهير والتحكم في رغباتها.

ينبغي الاعتراف أيضاً بأن هذا الإعلام العلمي ما زال يفتقد الكثير من خصائصه كعلم وحرفة، إضافة إلى وجوده في “بيئة علمية” طاردة للعلم، وبيئة إعلامية لا تجيد توصيل الرسالة العلمية بشكلها المبسط والمشوق، لأن طبيعة المعلومة العلمية تكون خطيرة عندما تنتقل من المتخصص إلى العامة، وهذا يتطلب حنكة وخبرة إعلاميه كبيرة من خلال تسلح الإعلامي بذخيرة علميه واسعة النطاق، ليتسنى له التعبير الدقيق عن الحدث العلمي، بعيداً عن العشوائية الإعلامية التي قد تؤدي إلى بلبلة شعبية تؤرق الشارع تماماً، كما حدث مع انتشار الأمراض العالمية وأبرزها (فيروس الكورونا)؛ حيث أثارت الرعب بين الجمهور بشكل واضح.

وبشكل عام، هناك نقص في الكوادر الإعلامية المتخصصة في مجال العلوم، وضعف في المهارة الإعلامية لتوصيل المادة الإعلامية بشكل مشوق، لأن مشكلة الإعلام العربي، كما يرى البعض، تتجسد في عدم قدرته على تقديم العلوم بشكل مبسط ومشوق، فقد ساهم في خلق الغموض والملل وتكريسهما في مدارك المتلقي، ذلك لأن الملل لا ينسحب على المختصين من ممارسيه، وإنما إلى غير المختص الذي يجد فيه جهودا فارغة لا طائل من ورائها! لأن الإشكالية، كما نراها، هي قضية غموض المادة العلمية، حتى لو سلمنا جدلًا باستيعاب الإعلامي للمادة التي ينقلها فإنَّه سيجمع بالضرورة بين اختصاصين؛ أحدهما: يمثل مضمون المادة المنقولة من المختص إلى الجمهور، والآخر: هو الخطاب الإعلامي وتقنياته التي تتطلب جهدًا لا يقل عن الأول في تحصيله، وهنا تكمن المعضلة الكبرى للإعلام العلمي؛ وهي الجمع بين أمرين شبه متنافرين، حيث الإجادة في أحدهما تقتضي الإخلال بالآخر!

وكما نقول دائما، فإن مسؤولية نشر الثقافة العلمية، لا تتعلق بأجهزة الإعلام فقط، وإنما هي أيضاً مسؤولية مؤسسات الأسرة والتعليم والثقافة والجامعات ودور النشر والعلماء، مثلما هي مسؤولية وسائل الإعلام في خلق رأي علمي وإعلامي قادر على تغيير نظرة مجتمعاتنا العربية للعلم، وتنشئة المواطن على أسلوب التفكير العلمي في جميع مجالات الحياة اليومية.

الإعلام العلمي ليس ترفاً فكريّاً، بل هو الطريق إلى المستقبل، وتقديس أبجديات العلم ونتائجه الإنسانية، كفيلٌ بمحو أمية الخرافة، وأساطير الأوهام المريضة، التي صنعت لنا إنساناً كسولاً يميل إلى البهتان والترهات والتهاويل والأساطير وخرافات الهراء؛ كالأبراج والتنجيم، مثلما صنعت لنا الخرافة دولا معاقة في الرؤية والتعليم والعلم. فهل نستغرب بعد ذلك أن نرى في دولنا ومجتمعاتنا حروباً داحسيه وغبراوية ضد العلم ورجاله؟! وأن نرى (حدوة الحصان) و(الخرزة البيضاء) تعلق في غرف ومداخل بيوت العربان لطرد الشيطان والحسد وجلب الحظ السعيد؟!

بالفصيح، الرسالة الإعلامية العلمية تتطلب اللجوء إلى التبسيط العلمي في ظل التأويل توخيا لنقل أحسن عناصر المعرفة بأبسط لغة إعلامية ،لأن واقع الإعلام العلمي يعيش ازمه أمراض حقيقية، فالثقافة العلمية الشعبية تعاني من نقص فيتامين الوعي، والمحرر العلمي مصاب بقصر النظر، ومتلازمة العين الجافة، والفصام بين التخصص والمهنة، ورجل العلم يعيش ازمه العقل الباطن، وعقدة المصطلحات العلمية النظرية المجردة، حتى وصل الأمر أن نرى خبيرا يتحدث للعامة حوال ظواهر الطبيعة بلغة الرياضيات حيث تبسيط المقادير المثلثية من خلال تطبيق المتطابقات المثلثية!، ونرى آخر يتحدث للفلاحين بأسمدة الكومبست والنيتروجين والبوفين البلاس، فلا نرى صور توضيحية او رسومات او ألوان إرشادية، كأننا في قاعات امتحانات ومراكز بحوث علمية، وثرثارات في مؤتمرات علمية. وصدق من قال: الوقاية الإعلامية خير من العلاج الطبي!

أزعجني حلم الأمس وكوابيسه: أينشتاين في الإعلام يحدثنا عن الفرق بين النظرية النسبية وطريقة عمل الفول المدمس!

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12