لم يكن مسلسل (احلام السنين) لمؤلفه الاديب والسيناريست شوقي كريم حسن، الاول الذي اثار جدلا واسعا، تحت عنوان (الاساءة للشخصية الجنوبية)! اذ كثيرا ما كنا نسمع ونقرا ان الجنوب او اهله، يتعرضون باستمرار الى اساءات من قبل صنّاع الدراما العراقية، بل ان البعض ذهب الى القول بان هناك توجيهات رسمية بهذا الصدد، لاسيما في المراحل السابقة!، وبعيدا عن كل هذا الجدل والاتهامات التي يطلقها البعض بدوافع مختلفة، نود ان نتوقف عند حقائق، ربما تسعفنا في ايجاد اجابة موضوعية، ولو نسبيا.

الحقيقة الاولى، هي ان اغلب كتاب الدراما العراقية منذ بداياتها الى اليوم، من ابناء الجنوب، او من اصول جنوبية، وهذا عامل كبير في جعل الاعمال تتجه باتجاه الجنوب، لمعرفة هؤلاء بثقافة البيئة التي يتناولونها، وتمكنهم من السيطرة على اللهجة، وان بدت في الكثير من الاعمال غير مطابقة تماما، كون اغلب الممثلين، وبالاخص الممثلات ولدن او ترعرعن في بغداد او بمراكز المدن ولا يتقنّ اللهجة الريفية بشكل جيد، فضلا على تفاوتها النسبي من منطقة لأخرى، وهذه حقيقة.. الحقيقة الثانية، هي ان الجنوب بيئة خصبة ابداعيا بشكل لافت، بسبب طبيعة المجتمع المنفتحة، وكثرت الفنانين والادباء، اذ لايمكن مقارنتها ببيئة عراقية اخرى. يضاف الى هذا، ان الجنوب شهد احداثا كبيرة ومتنوعة تسببت بحراك اجتماعي، واسعا ومستمرا في تاريخنا المعاصر، مازالت الدراما عاجزة عن تغطية ربعها حتى الان، اضف الى ذلك ان كاتب العمل، يضع في حساباته المشاهد الجنوبي، ونقصد هنا من بغداد نزولا، بسبب الكثافة السكانية هناك .. وتبقى الحقيقة الثالثة والتي نراها مهمة جدا، ومسكوت عنها ايضا، وهي ان رحم تلك البيئة انجب اكبر ثلاثة احزاب سياسية في تاريخ العراق المعاصر، لعبت دورا حاسما في مسيرته، لاسيما في العقود السبعة الماضية.

وبعيدا عن الاتفاق او الاختلاف معها فكريا او سياسيا، تبقى هذه الاحزاب هي من صيّرت المزاج العراقي واسهمت كثيرا في صنع الوجدان الشعبي، سواء بحمولتها الثقافية او بتداعيات حراكها السياسي او صراعها مع بعضها البعض. ولعل من يتابع الدراما العراقية يجد بصمات الثقافة الحزبية واضحة عليها، وان لم يكن ذلك بشكل مباشر، منوهين الى ان الفئة البشرية الفاعلة، سواء في التمثيل او الواقع، تبقى جنوبية، كونها ظلت تتلقى تداعيات هذا الصراع وتختزن ذكرياتها الكثير منه، بحلوها ومرها معا! ومن يقرا الاعمال الادبية العراقية، ومنذ الستينيات، وبمختلف توجهات كتابها، سيجد ان السياسة حاضرة بقوة، وفي بعدها الحزبي، وان تم تغليفه او تمويهه.

شخصيا، اجد ان هناك مبالغة في تصوير الامر، وكإنه مؤامرة على الجنوب، لكن المؤكد ان الجنوب شهد ممارسات مؤلمة، لاسيما في زمن الاقطاع، افرزت تشوهات ثقافية واجتماعية لايمكن تجاهلها، وان معالجة هذا الامر بشجاعة، لاتعني الاساءة وانما لتسليط الضوء عليها، ولكن يبقى اجتهاد الكاتب والمخرج في كيفية المعالجة الفنية والرؤيوية، خاضعا لمزاج المتلقين الذين من حقهم ان يقولوا مايرونه مناسبا، لكن يجب ان لايصل مرحلة الاتهام والتخوين، لان هذا المبدأ لو طبّق، لما تمكنا من مشاهدة ربع الاعمال الفنية المصرية، التي لم تترك ميدانا اجتماعيا الا ّ ودخلته وسلطت الضوء عليه، بل واحيانا تنشر غسيله القذر، لانها تبتغي ايصال رسالة للمعنيين بقصد المعالجة لا التشهير، ولم نسمع تخوينا لهؤلاء، لان الفن لاينمو من دون اوكسجين الحرية، وان نقد السيء والجيد منه معا، يحتاج الى مساحة اكثر سعة من الحرية.. بالتاكيد!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1