القاهرة (رويترز) - تثير طبعة جديدة لترجمة ملحمتي (الإلياذة) و(الأوديسة) للشاعر الإغريقي هوميروس أسئلة عن حق المترجم في التصرف حين يختصر مشاهد من العمل الأدبي أو ينطق الأبطال بتعبيرات استحدثت بعد قرون من سياق الأحداث.

والطبعة الجديدة التي صدرت في سلسلة (كلاسيكيات) عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة تقع في 440 صفحة كبيرة القطع وهي مزيدة بالشروح في الهامش حيث حققها كل من عبد العزيز نبوي وأحمد محمد زايد وأحمد محمد فؤاد.

وترجمة (الإلياذة) و(الأوديسة) التي لم تكن عن اللغة اليونانية وإنما عن الإنجليزية قام بها المترجم المصري دريني خشبة (1903-1964) وهي ترجمة تحفل بعبارات مأخوذة من القرآن والشعر والأمثال العربية على نحو قد يرى فيه البعض خروجا عن السياق الثقافي للأحداث.

ففي أحد المشاهد يتخفى أبوللو ويذهب إلى إينياس لكي يثيره على القائد أخيل "ويلهب فيه نخوة الجاهلية التي سداها التفاخر بالأنساب ولحمتها التباهل بالأحساب والتبجح بأنا ابن من سمك السماء ودحى الأرض وأنبت فيها من كل زوج بهيج!" كما جاء في الترجمة التي اعتمد فيها خشبة على ثلاث ترجمات إنجليزية.

وفي مشهد آخر تحنو ابنة سيد الأولمب مينرفا ربة العدالة والحكمة على تليماك وتنصحه ببضع كلمات وتعقب "وعلى الله قصد السبيل" ثم يتفاءل نسطور بمينرفا ويناجيها "وسنصلي لك ونذبح باسمك خير بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها" في تناص أيضا مع آيات من القرآن.

أما أوديسيوس الذي أصبح اسمه عنوانا لملحة "الأوديسة" فكان يعاني في تيه رحلة العودة وهو فوق سفينة "تأخذ سبيلها في البحر سربا" وحين عاد ليثأر لنفسه وقف هاليتير ناصحا أبناء إيثاكا بألا يذهبوا "وألا تجعلوها فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".

وتنتهي الملحمة بعقد الصلح بين الفريقين "ودخل الناس في السلم كافة" كما يسجل السطر الأخير.

وفي طبعة سابقة منذ 25 عاما قال الناقد والمترجم المصري سامي خشبة (1939-2008) في المقدمة إن أباه "آثر.. أن يلخص بعض المقاطع التي لا تروي حادثة متعلقة مباشرة بحبكة الملحمة أو بوقائعها الرئيسية. كما حذف مقاطع أخرى رأى أنها قد تؤذي السياق الجديد في الصيغة العربية بإبعاد القارئ عن مجرى الأحداث."

ولكن بعض المترجمين في ظل الصرامة التي تفرضها حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالحفاظ على "النص الكامل" للمؤلفات الجديدة يرون في الترجمات السابقة لكثير من كلاسيكيات الأدب العالمي نوعا من التساهل.

فتقول الشاعرة العراقية ريم قيس كبة التي ترجمت رواية (أن تقرأ لوليتا في طهران) للإيرانية آذار نفيسي إن "الترجمة أمانة. ولا يحق لأحد أن يحذف من النص الأدبي أو يضيف إليه أو يصوغ حوارا بلغة غير مناسبة للسياق... أو لا يترجم."

ويشدد الكاتب السوري المقيم في الولايات المتحدة خالد الجبيلي الذي ترجم رواية (قواعد العشق الأربعون) على أنه "لا يحق للمترجم أن يتصرف أو يحور أو يعدل أو يحذف أي جملة أو فقرة أو حتى كلمة من النص الأصلي وإلا فإن ذلك يعتبر خيانة حقيقية للنص وغشا للقارئ."

ويتفق مع الرأي السابق المترجم المصري المقيم في ألمانيا سمير جريس الذي يشدد أيضا على أن "الحذف لا يجوز" وهو سلوك لجأ إليه بعض المترجمين الرواد في العالم العربي حيث كانوا "يتصرفون في النص الأصلي بالحذف أو التلخيص... وأحيانا كانوا يضيفون."

ويضيف أن الحوار في النص الأدبي المترجم يجب أن يتسق مع السياق العام للنص الأصلي. ويبدي دهشته من إحدى الترجمات العربية لرواية (المسيح يصلب من جديد) للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس قائلا إن القس كان "يتحدث بلغة إمام الجامع."

وجريس الذي ترجم روايات منها (عازفة البيانو) لألفريده يلنيك الحاصلة على جائزة نوبل للآداب يرى أن ترجمات كلاسيكيات الأدب العالمي القديمة التي تعرضت لحذف أو إضافة أو تشويه تحتاج إلى ترجمات جديدة تراعي "الأمانة" وتلتزم بالنص الذي كتبه مؤلفوها.

ويقترب من هذا الرأي محمد عناني الملقب بشيخ المترجمين في مصر حيث ترجم عام 2008 كتاب (الاستشراق) للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي وصفه بأنه "نص عسير" يحتاج إلى ترجمة عربية جديدة تجمع بين الدقة والوضوح.

وقال عناني في مقدمة ترجمته إن نصوص إدوارد سعيد صعبة وإن حق القارئ العربي وحق سعيد "أن يقرأ كتابه بيسر" وإن على كل جيل "أن يترجم آثار الماضي إلى لغة يفهمها أبناء العصر" موضحا أن الماضي يشمل أيضا الأعمال التي لم يمض عليها ربع قرن.

ومن الطرائف أن خشبة كتب في مقدمة قصيرة للطبعة الأولى من (الأوديسة) عام 1945 أنه يقدم "بطريقتي الخاصة لقرائي الأعزاء في جميع الأقطار العربية... وسط تلك الزحمة الصاخبة من مئات الكتب في الأدب الرخيص" مضيفا أن نشر (الأوديسة) سيحبب إلى القارئ روائع الأدب القديم "في هذا الزمن المترف العجول".

 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0