أصبحت مشكلة سلطة المثقفين (البيروقراطية) معقدة بشكل خاص في عصرنا حينما شهدنا تدفق هائل من المثقفين إلى مختلف مجالات النشاط بما في ذلك السياسية ومدى التناسب والنسبية الذي أبداه كل فرد منهم بأنتمائهم إلى طبقة اجتماعية معينة من المثقفين أو البيروقراطية، وظهرت أدوار مهنية جديدة كمنظم العلوم عندما يقوم عالم كبير دون التوقف عن محاولة توليد أفكار وفي وقت واحد يقوم بأداء وظائف إدارية في الحكومات ليتم تشكيل العديد من خدمات الخبراء والتنبؤ وأيضا، ليشاركوا بنشاط في النضال السياسي وغالبا ما يشغلون مناصب حكومية عالية وقد تمكن البعض منهم من الجمع بين تلك المناصب وأنشطتهم المهنية الأساسية، ليكون اليوم هو مثقف وغدا هو بيروقراطي وبعد غد مرة أخرى مثقف أو حتى أكثر ففي الصباح بيروقراطي وفي المساء مثقف.

إن الطبيعة الجماعية للنشاط الفكري مع التقسيم المتزايد للعمل والتنقل المهني تقضي تدريجياً على المثل الأعلى للمفكر وإذا حاولت وصف هذا المثل الأعلى فإنه يفترض أن تلك السمات لشخصية شاملة للأخلاق العالية والاستيعاب الفكري والإنسانية والتي يتم التعبير عنها ليس في الحب المجرد للإنسانية بشكل عام بل في اللطف مع الناس واحترام الشخصية والإحساس المتزايد بالعدالة، وفي حياتنا هناك عدد أقل وأقل من الناس الذين يمكن التعرف عليهم مع هذا المثل الأعلى غير إن هنالك أشخاص آخرون في الحياة ربما ليسوا شخصيات شهيرة على نطاق واسع من حيث تأثيرهم على الوعي العام وحمل مسؤولية الروح الفكرية وليست بالضرورة

مبدعين وعظماء في العلم أو الفن أو الابتكارات في الثقافة التي لديها مجموعة واسعة من المظاهر الممكن لها أن تصبح كالحياة الأخلاقية للفرد ونموذج ثقافي مؤثر في اختيار المستقبل.

يمكن تعزيز القوة واكتساب المصداقية إذا تم إعطاء الأشخاص هدفًا واضحًا لبرنامج إلى أين نحن ذاهبين، وإذا لم تكن هناك إستراتيجية للتحرك نحو الهدف فإن الوسائل تتحول إلى هدف سوقي كنهاية بحد ذاته ويضيع الإصلاح والذي غايته مستوجبة في حد ذاته ثم يبدأ الإجراء في تجاوز فكرة الوضع الحالي في بعض دول الالم العربي المتمثلة في وضع مسؤولية خاصة على المثقفين والقوة وواحدة من أهم مهام الإصلاح اليوم هي إنشاء دول قوية مع الحفاظ على بناء المؤسسات الديمقراطية وتطويرها وتشكيلها من ممثلي المثقفين المعارضين الذين وصلوا إلى السلطة والمديرين المحترفين لتوفير الكفاءة اللازمة في إدارة البلاد لتحسين كفاءة الإدارة وزيادة مستوى السيطرة على تصرفات الحكومة وقد تنشأ تلك الآليات عندما يتم تعزيز المؤسسات الديمقراطية العربية التي فشلت لحتى الآن بأن توحد بأي شكل من الأشكال معنى الحرية بفحوى المسؤولية.

ومع إننا نشهد المثقفين الذين يقفون تقليديًا في تأييد السلطات وهي قوية ومعارضتها حين تهوي غير إننا نتمناهم إن ينأوا بأنفسهم عن السلطة وانتقادها أحاديًا إذ يمكنهم تطوير ونشر أفكار جديدة غير تقليدية على أن يدمجوا شروط الحرية الإبداعية في عمل الفكر الإبداعي المتمثل في البحث عن القيم التي تضمن انضمام دولهم إلى حقبة جديدة من حقب تطور الحضارة العالمية.

لدينا قناعة بأن الشخصيات الثقافية لا تحتاج إلى أفكار على الإطلاق فقط إذ لربما أنها تحتاج إلى الحد الأدنى من مخزونها العقلي، والذي يمكنها العثور عليه دائمًا في طيات الأفكار التقليدية الطويلة البرودة والمتحيزة إحصائيا، ولذلك فأن لم يتغلب مثقفينا على ذلك التقليد القديم ولم يتمكنوا من تقديم قيم حقيقية للمجتمع توفر سيناريو التحديث الأكثر ملائمة لأوطانهم فإن ذلك سيعني أنه حطموا مهمتهم التاريخية والأكثر أهمية تغييبهم لمستقبلهم.

واليوم يعتمد مصير العرب إلى حد كبير على مدى فعالية التفاعل بين المثقفين والسلطات والذي لا ينبغي أن يبنى وفقًا للمبدأ القديم حينما تناشد السلطة من وقت لآخر مثقفي النظام الأجتماعي لإيجاد أيديولوجيات معينة من شأنها أن تسهم في تقوية (القوة) وتتوافق مع فهمها الأهداف السلطوية، وإن ذلك الفهم لا يتناسق مع الاحلام ولا المهام المستقبلية لان الواجب بالمثقفين يتمحور في تقديم قيم جديدة للمجتمع في المقام الأول وليس إلى تقديمها للسلطة ومع إن ذلك التفاعل بين المثقفين والسلطات احيانا يعد مثاليًا غير إننا من المهم أن ندرك على الأقل الفواجع القادمة وحاجاتها واتجاهاتها الغير المواتية والخطيرة لحاضر العرب ومستقبلهم والتي أصبحت واضحة بالفعل وينبغي تجنبها، فلذلك كله يستوجب على المثقفين القيام بتكييف الابداع مع القيم مع الظروف الحقيقية للحياة العربية وربطها بالتقاليد بدلاً من مجرد إعلانها كمشروعات طوباوية للمستقبل المحتضر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0