من أشدّ حالات الإخفاق في حياة الإنسان، حين يبقى ضائعاً في متاهة التنميط الإعلامي والثقافي، ولا يجد لنفسه مخرجا من هذه المتاهة التي تصنعها وسائل إعلام أجنبية مغرضة، تهدف إلى تسويق ثقافة وافدة غريبة كي تكتسح ثقافتنا الأم وتحيلنا إلى مسوخ أو ببغاوات تردد ما يقوله الآخرون من أفكار وتقلّدهم ثقافيا بعد شعور انهزامي بالدونية تجاه الثقافة الدخيلة.

هناك حرب إعلامية قد تكون خفية أحيانا وظاهرة في أحيان أخرى، لكن الحصيف والمراقب الذكي لألاعيب التضليل، يمكنه كشف المستور، ويفهم ما يدور حوله، ويضع آليات لصدّ عمليات التنميط بعد همها وكشفها، وقد تكون وسائل الإعلام خارجية ويمكن أن تكون داخلية أيضا، الخارجية غالبا ما تكون مدفوعة وفق مخططات مسبقة ترسمها قوى ومؤسسات تابعة لدول تسعى للهيمنة على العالم، أما الداخلية فإنها لا تبتكر جديدا نافراً ينهض بالعقل ليغرّد خارج السرب.

فالإعلام الداخلي غير المبتكِر سوف يكون أداة خطيرة لقولبة أفكار الإنسان، وجعله في دائرة نمطية من الأفكار والتحليلات والتصريحات أيضا، وبهذا يصبح عقله نمطياً بائسا وعاجزا عن الخروج بعيدا عن "الببغاوية"، التي يصنعها الإعلام "الببغاوي" بصورة آلية، هذا النوع من الإعلام والعقول سوف يكون صيدا سهلاً للثقافات الوافدة من الخارج، فمن لا يمتلك عقلا راجحا قادرا على التفكير بعيدا عن النمطية الجمعية، سوف يقع بسهولة في فخ الإعلام الخارجي وأساليبه في الترويج لثقافات وأساليب مريبة.

هل هناك أمثلة عمّا جاء في أعلاه؟، بالطبع توجد أمثلة كثيرة، فهنالك أناس لا يفقهون شيئا عن الإعلام المريب ولا عن الثقافات الدخيلة، وهؤلاء بسبب من ضحالة درجة الذكاء لديهم، وميولهم إلى التفكير السائد مع "القطيع"، سرعان ما يصبحون ضحايا للموجات الإعلامية والثقافية المغرضة.

ما هو المطلوب إذاً، هل سنبقى خاضعين للنمطية السائدة والمفروضة علينا وفق أجندات محسوبة؟، أم أن الصحيح هو قطع سلاسل وأغلال التفكير النمطي حتى تصبح عملية التغيير أيسر وأسرع، بالطبع كل فرد عراقي عليه التفكير بطريقة مغايرة لا تستمد نفسها مما هو شائع أو معروف ومتداوَل في الساحة، الجديد في الفكر والتحليل وحتى التطبيق هو الغاية المستدامة للجميع، هكذا ينبغي أن يكون هدفنا وتفكيرنا.

أين تكمن خطورة اجترار الأفكار وما تأثيرها على التفكير؟، إن جميع التجارب الناجحة عالميا ومحليا "على قلّتها" بالنسبة للداخل، هي تجارب مبتكَرة في فحواها، وغير تقليدية، ينسحب هذا على التجارب الاقتصادية الانتاجية وعلى المشاريع بأنواعها المختلفة، فالذي ينجح ويواصل النجاح هو ذلك العقل الذي يركل النمطية ويدفها بعيدا عن أفكاره وتطبيقاته، الجديد من الأفكار سوف يوفر أساليب عملية تنفيذية جديدة أيضا، وبهذا يكون مآل مثل هذه المشاريع والتجارب النجاح المحقَّق.

كيف يمكن ردع النمطية والخروج بعيدا عن أسوارها، هناك نصائح عديدة تنقذ الإنسان من دوامة "التفكير القطيعي أو الجمعي"، يعود الأمر بالدرجة الأولى للذات ورغبة الإنسان بالتجديد بالإضافة إلى الهيكل الثقافي الذي يستند عليه، والذي يجب أن يكون هيكلا مبنيا على التحديث المستمر وليس على المراوحة في دائرة فكرية لا تسمح للعقل بالخروج منها إلى فضاءات الابتكار والتجديد.

فحين يرغب الإنسان بكسر سلاسل التنميط الفكري عليه ما يلي:

- أن لا يتعجّل الدخول في معمعة "القطيع".

- أن لا يسمح للإعلام النمطي بخداعه من خلال الابتعاد عن التعامل مع الأخبار والأفكار والتحليلات بطرق مألوفة ومكرَّرة.

- أن يبحث بشكل دائم عن المغايرة، وكسر المألوف، ليس بمنطق "خالف تُعرَف"، ولا بطريقة العناد أو الأنفة الفارغة، فالمغايرة يجب أن تنطلق من ثقة بالعقل والتفكير المتفرّد.

- أن يرفد عقله بما يستجد من أفكار يتم طرحها في أسواق ومحطات الفكر، وأن يتحلى بالقدرة على التمحيص والتفريق بين الأصيل والمزيَّف.

- أن لا ينساق وراء الإعلام المضلِّل.

- أن لا ينبهر بسرعة ببريق ثقافات وافدة ذات طابع قشري.

- أن يمحّص جيدا كل ما يقرأه أو يسمعه، وعليه أن يقرأ ويكتشف ما وراء السطور، لأن الكلام المعسول غالبا ما يضمر في أعماقه مرارة لا تُطاق.

- أن يثق الإنسان بنفسه وعقله، ليس من باب الانغلاق أو "العزّة بالإثم"، بل انطلاقا من قول الإمام علي: أتحسب نفسك جرمٌ صغير.... وفيك انطوى العالم الأكبر".

وتوجد خطوات أخرى مساندة يمكن للإنسان العراقي بالذات أن يعتمد عليها ويستند إليها، كي يكون في مقدوره غلق الأبواب والنوافذ على النمطية التي تسعى لمحاصرته في دائرة مغلقة، حتى يبقى يدور في فلك المكرّر بعيدا عن التحديث وبهذا تكون قضية الحسم في يده، والانتصار في حرب التنميط تُصبح قضية محقَّقة، فما يدور اليوم في ساحتنا من أفكار وأنماط حياة، يسعى كي يحيلنا إلى أدوات منمّطة أو "ببغاوية" لا لغة لديها سوى ترديد ما يردده الآخرون، والتفكير بعقول بديلة ليست عقولهم، نحن كعراقيين يجب أن ننفر خارج دائرة المُعاد والمكرّر كي نضمن حسم الانتصار على النمطي والسائد.

انقر لاضافة تعليق
محمد المي
عربي
يركز كاتب المقال على صفحة واحدة من الغزو الثقافي ويترك صفحات مهمة اخرى، ماا عن الاندماج؟ لماذا التركيز على التبعية والدونية، ألسنا نعيش في كوكب واحد، لماذا يُنظر للثقافات الجيدة كثقافات غازية؟ لم أجد جوابا عن سؤالي هذذذا في المقال الي قرأته مرتين؟2019-03-24

مواضيع ذات صلة

0