رأيتها واقفة وقد أسندت ظهرها لجدار قد أكل الدهر محاسنه، الوجه متقصف الثنايا، متلون بلون دخان التنور الذي أججت ناره عبر عصور اللاحياة، العيون مليء بنثار دري يتساقط على امواج آهاتها، وهي ترى أمامها بقايا عوائل شتت، وحطام ارواح تلوذ ببعضها خائفة مستجيرة. فقد اتعبها طول الطريق، وبعد المسافة، والم الفراق.

لم يكن لحد الجغرافية من أهمية على شريحة قوم أبعدوا عن ديارهم في اي وقت واي زمن سوى أنهم أصبحوا بلا وطن. فمن هجر في هذا البلد او غيره من البلاد.

سيبقى هو ذاته الانسان الذي نزح قهرا في مرتع طفولته وبحبوحة صباه.

مشهد قد أوقد ذكرياتها وسحبها الى صور آلامها.

اقتربت منها بمحاولة خجولة مني لنزع فتيل ذهولها فأجابتني بصوت مخنوق العبرات، قد بحت امشاجه: 'انني قد هجرت ذات يوم عن داري وكنت وقتها طفلة".

وأردفت: 'فتحت عيني صباحا لأرى منزلي قد تناثرت أشلائه في غضون دقائق لعبي، أغراضي، ملابسي، وتركت هناك أجمل طفولتي، وماذا اقول..؟ مدرستي، كتبي، وما اعشقه من جدران الذكريات.

كان الخوف أحمر بلون الدم، وان لبس ثوب اخر فهو سيرتدي ثوب السواد.

سرت مع عائلتي من مكان الى مكان، ومن بلدة الى اخرى، اصبحت لدي أكثر من خريطة لأحلامي، فما أن ألف قوم حتى أتركهم لآخرين، وما ان أحب أرض، وإذا بها تقول لي ارحلي عن ها هنا فأنا ﻻ أوي الغرباء.

وذكرتني تلك الطفلة وهي ترفع يديها لأحد المصورين معتقدة ان كامرته سلاحا بوجهها. وانا كنت مثلها يفزعني كل غريب وكل صوت يخيل إلى انه صوت حرب أو نزاع. 'ارحلوا لقد جاءت أصوات الرصاص.. ارحلوا جاءت اقوام التتار أو المغول، أو مهما تكن المسميات'.

لم يعني لي أيهم أحق بأرضي سوى انني كنت أرغب بإغماض عيني دون خوف أو أبقى يوما أو بعض يوم دون مسير.

لقد آلمتني اقدامي، وتبعثرت الوجوه في مخيلتي،.. حيث اني عاشرت ألفا وألف ألف منها على مدى رحلتي في كون ﻻ يقبل بالغرباء أو الموعودين بأرضهم أنها ذات يوم ستعود.

هل تغادر الارض؟؟

هل تسافر؟؟

هل تتواطئ مع السارقين؟؟

انا احكي بصوت طفولتي، وبأسئلتي رغبة في أمان ضاع من بين أصابعي..

وإذا بي ذات يوم ذكرت احدى أسئلتي، قالت لي جارتي 'لما تذكرين زمن قد انتهى؟؟'

كيف!! ولما ﻻ أذكرها، وها هي الوجوه مازالت تنتزع جلدها.

ومازالت الخرائط تبيع رؤوس أبنائها بأبخس الأثمان.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0