ثقافة وإعلام - أدب

المراوغ

والدي رجل طيب، يحبه اهل المنطقة، يحل مشاكلهم ويقضي حوائجهم، وكثيرا ما كنت اسمعه يقول لجلاّسه؛ الانسان الذي يسير بشكل مستقيم ينجح ويحقق اهدافه بيسر وتباركه السماء .. كانت كلماته ترن بأذني وانا في طريقي الى المدرسة او مع اصدقائي، وكنت احلم بان اكون محبوبا بين الناس مثله.. في نومي صرت احلم باني اسير بشكل مستقيم، وتأتيني اطياف جميلة، واجد نفسي وسط اطفال بلباس ابيض او سمائي او وردي يحيطون أمهم وهي على أريكة باذخة، وسط حديقة غناء تطل على ساقية يلعب فيها البط، تماما كالصورة المعلقة في بيتنا والتي اشترتها امي من محل بيع اللوحات الفنية.

حين قررت إدارة المدرسة أن تشكل فريقا لكرة القدم، طلبت أن اكون ضمن التشكيلة التي ستلعب في بطولة المدارس، ورجوت المدرب أن اكون مهاجما لكي سجل الأهداف.. بعض التلاميذ سخروا مني لأني لست سريعا في الجري، وسمعت آخرين يقولون نحن أجدر بهذا الموقع، لكن مدرب الفريق كان لطيفا معي، وقال ستكون مهاجما.. قالها وهو يبتسم واردف؛ ولكن هل كنت تلعب الكرة سابقا؟ قلت؛ انا أسدد بقوة وأسجل الأهداف وسترى! حين لعبنا المباراة التجريبية كنت أجري بكل ما لدي من سرعة، لكن المدافعين يحاصروني وأنا احاول أن أتجه الى الأمام وبشكل مستقيم بإتجاه الهدف.

وفي رأسي يتردد كلام والدي .. الذي يسير بشكل مستقيم سينجح ويحقق اهدافه بيسر وتباركه السماء.. لحظات من الإندفاع تنتهي بأخذ الكرة مني وأشعر بأن السماء خيبت ظني.. لكني اسمع مدربنا يصرخ وراء الخط .. راوغ .. راوغ .. من دون أن أكترث له.. تكرر المشهد.. الكرة معي وأنا أتجه نحو الهدف بشكل مستقيم، لكن المدافعين يأخذونها مني ولم أسجل هدفا.. فصرت أهمس لنفسي؛ هل كان والدي يخدع الناس؟! وصرت أراقب مهاجمي الفريق الخصم وهم يتجهون الى مرمانا، لقد كانوا يراوغون مدافعينا ويناورون ويسجلون الأهداف، فتتعالى الهتافات المحيية لهم من المشجعين.

لقد هزتني تلك الهتافات، والزهو الذي علا وجوههم أثار غيرتي.. تسلمت الكرة من زميلي واندفعت الى الأمام بإستقامة، لكني حوصرت من قبل المدافعين، حينها حضرتني صيحة مدربي .. راوغ .. راوغ .. فراوغت لاعبا وعبرته وراوغت الثاني، لأجد نفسي أمام الهدف ولم يستطع حارس المرمى من صد كرتي التي هزت الشباك، فيما كانت صيحات المشجعين المحيية ترفعني الى السماء.

لقد عرفت كيف أصل الهدف.. وصرت مهاجم الفريق الأبرز... وحين اعود الى البيت لم أفكر بالإستماع لأقوال ابي وحكاية السير المستقيم ومباركة السماء، لأني انشغلت بتسجيل الاهداف وهتافات المشجعين المحيية.

حين مات أبي كنت قد سجلت مئات الأهداف، ليس في الملاعب وحدها بل في ميادين مختلفة لأني تعلمت المراوغة والإفلات من المتصدين، حتى صرت الإسم الأبرز والأغنى، وبتّ اعرف بالرجل المراوغ... في احدى الليالي جاءني والدي، كان مرتديا ثيابا بيضا فضفاضة مائلة للزرقة الخفيفة، جاء من الجهة الأخرى للساقية التي تشطر الحديقة في اللوحة المعلقة في بيتنا، كان هناك اطفال كثيرون على ضفة الساقية، اتجهوا نحوه يركضون بشكل مستقيم فأردت ان أسبقهم وراوغتهم واحدا واحدا، لكي اصل أبي قبلهم، لكني فوجئت بأن أبي راح يرفعهم واحدا بعد الآخر ويقبلهم وهو يبتسم وأنا لم أصله بعد.

لقد سبقوني ... صرخت بأعلى صوتي .. ابي .. ابي .. لكنه استدار ومعه الأطفال يسيرون بشكل مستقيم نحو تلة خضراء تعلو شرق الساقية وأنا وراءهم أراوغ مطبات وأشنات اعترضت طريقي وعطلت عليّ الوصول الى ابي الذي يبدو إنه إبتعد، حتى أيقنت من عدم قدرتي على اللحاق به لأكون ضمن الاطفال المبتهجين بتوجههم معه الى التلة الخضراء.. حنيت راسي بعد ان جلست ووضعته بين فخذي واجهشت بالبكاء.. كان صوت زوجتي يندهني ويدها تمسح الدمع من عيني .. وحين رفعت راسي قلت؛ لقد كنت مراوغا جيدا لكني فشلت في الوصول الى ابي !

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق