ثقافة وإعلام - أدب

الرواية الرسالة!

لم تكن رواية البريطاني جورج اوريل (مزرعة الحيوان) التي صدرت العام 1945 في حمولتها ومقولتها، تعكس فقط رؤية هذا الاديب الذي تبنى الاشتراكية الديمقراطية، وكان عضوا في حزب العمال المستقلين البريطاني، وانما كانت ايضا تعكس رؤية الكثيرين ممن ناهضوا الشيوعية واعتقدوا انها تعمل على تدجين الانسان ومسخه من الداخل لصالح الغريزة المحضة، في ظل نظام يرونه قمعيا، ويعامل الشعوب التي يحكمها معاملة القطيع!. من هنا فان هذه الرواية تمثل رسالة سياسية قبل ان تكون عملا فنيا، وان كانت كذلك. الرواية عدّت ضمن افضل مائة عمل ادبي عالمي من العام 1923 حتى العام 2005 وفقا لجريدة التايم البريطانية، وهذا يعكس حجم الترويج لها وتبنيها من قبل مؤسسات النظم الرأسمالية.

قبل هذه الرواية كنا قد قرأنا رواية (الأم) للروسي مكسيم غوركي التي سبقت رواية اوريل بنحو اربعين عاما، وكان هذا الاديب منتميا للحزب الاشتراكي الاممي، ويحمل رؤية للعالم مختلفة عن اوريل، بل متناقضة معها، فهو كزعيم حزبه تروتسكي، حالم بغد انساني تقطنه الاشتراكية فالشيوعية، ومن هنا جاءت روايته هذه بمثابة تبشير بهذا الحلم الذي اعتقد وكثيرون غيره، انه تجلى لاحقا بثورة اكتوبر الاشتراكية في العام 1917 في روسيا، او هكذا اراد غوركي ان يقول من خلال هذه الرواية التي روجت لها المؤسسات الثقافية الاشتراكية، بعد قيام الاتحاد السوفيتي، في مختلف بقاع العالم.

رواية كبيرة اخرى هزت الراي العام العالمي حين صدروها، وشغلت النقاد على مستوى مقولتها وحمولتها الانسانية والسياسية، هي رواية (الساعة الخامسة والعشرون)... صدرت مطلع الخمسينيات، وادانت جميع من اسهموا في الحرب العالمية الثانية، منطلقة من رؤية انسانية باذخة، تؤكد على ان القيم الانسانية سحقت على ايدي العقائديين والجشع الرأسمالي وهوس السيطرة على العالم الذي حوّل الانسان الى آلة، لذا لم توفر الرواية في ادانتها احدا من المشاركين الكبار في الحرب، من شيوعيين ونازيين ورأسماليين، وبدت كما لوا نها تنتصر للإنسان كقيمة عليا، ولعلها كانت كذلك، لكنها ايضا حملت رسالة مهمة تسللت من بين سطورها التي نعتقد ان يد المؤلف قسطنطين جورجيو ليست وحدها من خطتها، وانما كان هناك عدد من الادباء المحترفين ممن تعاونوا على اخراج هذا العمل الادبي الكبير، ليوصلوا رسالة معينة، وفي مرحلة تاريخية معينة ايضا، خلاصتها ليست فضح الممارسات النازية والشيوعية والرأسمالية وحسب، وانما لإدانة ما تعرض اليه اليهود من ابادة جماعية خلال تلك الحرب، وتتجلى هذه المقولة من خلال استعراض مستفيض ومؤثر لسيرة بطل الرواية الرئيس (ايوهان موريتز) الذي دفع ثمن الشك بيهوديته ليدخل معسكرات الأسر النازية، فكانت هذه الثمية بمثابة قناع الرواية ووجهها المركب الذي كشف عن ادانة الحرب وما تعرض له اليهود على ايدي النازية في آن، وهو الهدف الرئيس من تلك الرواية المهمة والمثيرة للجدل، غير متناسين انها صدرت بعد اعلان قيام اسرائيل ببضعة سنين، وكانت الحاجة لمثل هكذا عمل فني ملحّة، لتستخدم كخلفية ثقافية في المعركة الاعلامية، وقد كانت رسالة ناجحة ومؤثرة بكل المقاييس، لما حققه هذا العمل الابداعي من حضور وتأثير في الوجدان الانساني وتعاطف مع اليهود.

في اعتقادي ان هذه النماذج الثلاثة، مثلها المئات من الاعمال الاخرى التي كانت بمثابة رسائل بحوامل ادبية، دخلت المعركة السياسية، لاسيما في ذروة الصراع العقائدي الذي شهده القرن العشرين، لما للأدب من تاثير في الوجدان، لكنها كانت تأتينا بأسماء اصحابها وليست بأسماء المؤسسات التي وقفت وراءها بالتأكيد!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3