ثقافة وإعلام - أدب

البيت والريح

مرّ زمن طويل على بناء ذلك البيت الشاهق الضاج بأفراد عائلة كبر أولادها وتزوجوا وأنجبوا، وهم مازالوا في البيت، إلاّ بعضهم قد وجد أن ليس بإمكانه تحمل ذلك الضجيج والزحام، فشدّ رحاله وسكن في أمكنة أخرى.

شهد أهل البيت ظروفا مختلفة بين شدة ورخاء، وفقر وغنى، وحزن وفرح، وولادة وموت. لم تكن الحياة منصفة فيما تهبهم إياه، فقد أوسعت في منحهم الأهوال والصعاب، وشحت في رزقهم الأفراح العميقة الدائمة الثابتة. لكن في كل حال يستمر أحياؤهم في حياتهم سواء رضوا بأقدارهم او لم يرضوا.

في ظروف الرخاء العابرة حرصوا على ترميم البيت او تجديد طلائه او آثاثه، وفي ظروف الفقر المتكررة كانوا يأكلون المقسوم القليل، وقد يبيعون بعض الأشياء من آثاث وملابس ليسدوا بها ما يحتاجون.

استمرت الفصول بالتعاقب على ذلك البيت وأهله يواصلون التذمر من الأمطار حينا، وغثاثة الأصياف حينا آخر، وكثيرا ماعصفت الرياح العاتية بهم حتى كادت تقلع أشجار حديقتهم، وتختفي وقد خلفت وراءها بعض الأضرار.

كانت العصافير تبني أعشاشها على أشجار حديقة البيت، وكثيرا أيضا ماكانت القطط تتمكن من الانقضاض عليها حين تسهو العصافير عن الحذر.

الفئران وحدها كانت ذكية قادرة على الهرب من مخالب القطط،  في أثناء جولاتها التفتيشية عما يؤكل في الحديقة، حتى أوراق النبتات هجمت عليها الأسنان القارضة، كما كان الدود والنمل يغزوها ويأخذ منها قوته، ويجعلها مآواه حيث يحفر فيها بيوتا له.

وسواء أكان المتطفل دودة أم فأراً، فإنّ الورقة الخضراء تنتهي بثقوب متوزعة بعشوائية عليها او تبقى منها قطعة  تسقط صفراء خجلى.

برع النمل والفئران في حفر جدران البيت، حتى إن أهله لم ينتبهوا، او أهملوا، ماتفعله تلك المخلوقات بأساس مسكنهم. حتى الأرضة رسمت خرائطها على الجدران حين انشغل أهل البيت، كلّ في همه.  فقد تغيرت ملامح أفراد العائلة، وتصرفاتهم أيضا، واشتدت خلافاتهم.. بعضهم طالب ببيع البيت ليستقل بحياته او يستثمر حصته في مشاريع تدرّ له الرزق.  أحدهم نجح في أن يقتطع جزءاً من البيت، ليستقل فيه وقد بنى جداراً فاصلا عن البيت الأم، ووضع له بابا، حالماً بالتنعم في جزئه. 

مع اشتداد الظروف الصعبة، واختلاف الأبناء وميولهم وأطماعهم ونوازعهم، أراد بعضهم الآخر أن يحصل على حصته، واشتد الخلاف أيضا.

حتى إذا ماهبت ريح عاصفة، هزت أركان البيت المنخورة أسسه بأسنان القوارض، وضغطت على الباب، لتقلعه، حاول بعضهم أن يسند الباب بيديه، خشية أن يقلع، ظلت الريح تعوي على الباب، وهو يهتز، ويزداد وقع اهتزازه، ومعه الأيادي وراءه ترتعش.

..........................................................................................................

* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0