محمد صالح الفتيح

 

لم يكن الاتفاق الذي أُعلن عنه في جنيف، في ساعة متأخرة من مساء الجمعة 9 أيلول، مجرد اتفاق وقف إطلاق نار عادي. من ناحية أولى، عبر الاتفاق عن الإصرار الروسي على تحقيق تقدّم على مسار الحل السياسي للأزمة السورية. ومن ناحية أخرى، كشف النقاش الدائر في واشنطن، في الساعات التي سبقت التوصل إلى الاتفاق، عن حجم الخلاف بين البيت الأبيض من جانب، ووزارة الدفاع الأميركية، «البنتاغون»، ومجمع الاستخبارات الأميركي، من جانب آخر. كانت «وول ستريت جورنال» أول مَن كشف عن أن أشتون كارتر كان أبرز الأصوات الرافضة لاتفاق جنيف. لكن أوباما في النهاية منح جون كيري الضوء الأخضر للمضي في الاتفاق. لم يسِر الاتفاق بالشكل المطلوب، وكثيرون اعتبروا أن غارة طيران التحالف على محيط مطار دير الزور كانت محاولة من جانب «البنتاغون» لتعطيل الاتفاق ونسف الثقة، الهشّة أساساً، بين موسكو وواشنطن.

من المفارقات التي قلما نلتفت إليها في عالمنا العربي هي أن سلطات الرئيس الأميركي على مرؤوسيه في واشنطن قد تكون أضعف بكثير من سلطات بعض رؤساء دول العالم الثالث. في واشنطن لا يستطيع وزير الدفاع أن يخالف رأي الرئيس الأميركي فحسب، بل يستطيع أن يقوّض خططه وسياساته. ليست هذه هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد. لم يكن باراك أوباما هو الرئيس الأميركي الوحيد الذي يختلف مع وزير دفاعه ومع جنرالات «البنتاغون»، لكن الغالب أن باراك أوباما قد تفوّق على سابقيه، عبر الاختلاف مع جميع الوزراء الذين شغلوا هذا المنصب خلال ولايتيه، روبرت غايتس، ليون بانيتا، تشاك هيغل، وأشتون كارتر. عندما يسمع المرء عن خلافات متكررة بين رئيس ما وقادة مؤسسته العسكرية، سيميل غالباً للافتراض أن سبب الخلاف هو تفضيل الرئيس للأساليب الديبلوماسية فيما يفضل جنرالاته استعمال القوة العسكرية. هذا صحيح في حالات كثيرة، ولكنه لا ينطبق على حالة أوباما. الخلاف بين أوباما ووزراء دفاعه وجنرالاته يعود لعاملين اثنين:

أولاً: الخلاف حول حدود السلطات

لطالما تذمّر المسؤولون العسكريون من أن البيت الأبيض يحاول أن يتدخل في تفاصيل عمل وزارة الدفاع كافة. وقد كُتب الكثير حول هذه المسألة، وغالباً ما يتم استذكار الحادثة التي حصلت مع روبرت غايتس، أول وزراء أوباما. يروي غايتس أنه اكتشف في إحدى زياراته إلى مقر قيادة العمليات الخاصة في العاصمة الأفغانية خطاً تليفونياً مباشراً يصل المقرّ بأحد مسؤولي الأمن القومي في البيت الأبيض. أمر غايتس ضباط المقر بإزالة الخط فوراً، محذراً إياهم قائلاً: «إذا تلقيتم اتصالاً من البيت الأبيض، أخبروهم أن يذهبوا إلى الجحيم، واتصلوا بي». عبّر ردّ فعل غايتس عن سأمه من محاولة البيت الأبيض التدخل في التفاصيل الدقيقة لعمل «البنتاغون»، وعن أن الإدارة الأميركية في عهد أوباما باتت مركزيةً بشكلٍ غير مسبوق، وأن الرئيس الأميركي ومستشاريه يتدخلون في تفاصيل عمل الجميع. خليفة غايتس، ليون بانيتا، بدوره تذمّر كثيراً من تدخل البيت الأبيض في شؤون «البنتاغون». أما ثالث الوزراء، تشاك هيغل، فيُقال إنه اُختير لمنصبه لأنه كان على علاقة جيدة بالدائرة الضيقة من المستشارين حول أوباما، ولأنه كان يُظهر لهم الكثير من الاحترام. كان من المتوقع أن يكون هيغل أكثر مرونةً من سابقيه في تقبّل تدخلات أوباما ومستشاريه. لكن حظ هيغل لم يكن أفضل من سابقيه، فاضطر إلى الاستقالة في تشرين الثاني 2014 بسبب ضغوط البيت الأبيض وتدخله في عمل «البنتاغون». استقالة هيغل وسابقيه، والعلاقة السيئة حالياً بين أشتون كارتر والبيت الأبيض، لا علاقة لها بالكرامة الشخصية أو كبرياء وزراء الدفاع، بل لكونهم علقوا بين أوباما ومستشاريه الراغبين بالتدخل في الأمور كافة، وبين جنرالات المؤسسة العسكرية الرافضين لذلك. لهذا السبب لم يكن هناك الكثير من المتلهفين لخلافة هيغل في منصبه. حتى أن ميشيل فلورنوي، الموظفة الكبيرة في البنتاغون والتي كانت أبرز المرشحات لخلافة هيغل، اتصلت فوراً بأوباما لتبلغه أن ظروفها العائلية تمنعها من تولي المنصب. يومها علّق مراقبون أن فلورنوي فضلت ألا تكرر تجربة غايتس وبانيتا وهيغل، وأنها تفضل الانتظار لتجرّب حظها مع هيلاري كلينتون. وبالفعل، خلال الأشهر الماضية، صعد نجم فلورنوي وكثيراً ما تتم الإشارة إليها على أنها المرشحة الأقوى لتولي وزارة الدفاع إذا ما وصلت هيلاري كلينتون إلى المكتب البيضاوي.

ثانياً: الخلاف حول الاستراتيجية

بنظر العسكريين، لم يمتلك أوباما أي خطة بعيدة الأمد للتعامل مع العديد من الأزمات وعلى رأسها الأزمة السورية، في حين أن تفضيله بعض الخيارات، سواء كانت عسكرية أم ديبلوماسية، لم يلحظ العواقب المستقبلية لها. لم يختلف جنرالات «البنتاغون» مع أوباما حول قراراته لأنه لم يكن ميالاً لاستخدام القوة العسكرية دائماً. بل إن العكس قد حصل في بعض الحالات. أهم الأمثلة التي يمكن الإشارة إليها تتصل بما كشفه سيمور هيرش مطلع هذا العام. في سنوات الأزمة السورية الأولى، استشعر جنرالات «البنتاغون» الخطر الكامن في مساعي إدارة أوباما ووكالة الاستخبارات المركزية للتدخل في سوريا وتزويد المقاتلين هناك بالسلاح من دون التدقيق في توجهاتهم العقائدية، وما إذا كانوا إسلاميين متطرفين أم لا. استشعار الخطر وصل ذروته مع بروز تنظيمي «داعش» و «جبهة النصرة» وغيرهما من الفصائل الإسلامية المتطرفة. رواية هيرش، التي لم تنفها أي من الأطراف المعنية بما فيها دمشق، تمضي لتقول إن الجنرالات، وعلى رأسهم مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، ومايكل فلين، مدير وكالة استخبارات الدفاع، وبعد اكتشافهم أن إدارة أوباما لم تصغِ لتحذيراتهم من تدهور الأوضاع في سوريا، قرروا تولي الأمور بأنفسهم وتقويض خطط أوباما في سوريا. تحرك هؤلاء الجنرالات على أكثر من مستوى. فمن ناحية أولى عملوا على عرقلة وصول أسلحة حديثة إلى المقاتلين بما يمنعهم من تحقيق تفوق على الجيش السوري، فتمّ تمرير أسلحة قديمة من تلك التي تم تخزينها منذ ثلاثة عقود خلال فترة دعم المجاهدين الأفغان بدلاً من الأسلحة الأحدث التي توفرت في الأسواق بعد سقوط نظام القذافي. لم يتوقف الجنرالات هنا بل إنهم مضوا إلى حد تقديم معلومات استخبارية مهمة للغاية، عبر وسطاء، إلى دمشق، تسمح للأخيرة بالتصدي بشكل فعّال للفصائل المتطرفة. باختصار، نجح هؤلاء الجنرالات، على الأقل حتى العام 2014، في تعطيل سياسة أوباما في سوريا.

إلى أين تمضي سوريا؟

إذا ما صدقت رواية هيرش، فهذا يعني أن دمشق كانت محظوظةً للغاية واستفادت من الخلافات بين أوباما وجنرالاته. ولكن الواقع اليوم، على أي حال، يقول إن الخلافات بين أوباما وجنرالاته باتت تقود إلى نتائج عكسية. غارة طائرات التحالف على محيط مطار دير الزور لم تكن سوى حدث ضمن سلسلة من الإجراءات العدوانية التي لجأ إليها جنرالات «البنتاغون». طائرات الحرب البحرية والإلكترونية من طراز P-8A Poseidon حلّقت غير مرة بالقرب من القواعد الروسية على الساحل السوري، وقبل ذلك، في مطلع شهر آب الماضي، ناورت الطائرات الأميركية بالقرب من القواعد العسكرية الروسية في بحر البلطيق، فيما نفذت طائرات أميركية أخرى في دول أوروبا الشرقية مناوراتٍ بتكتيكات لم تنفذ منذ أيام الحرب الباردة. جنرالات «البنتاغون» اليوم، وعلى رأسهم جوزيف دنفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة، وفينسنت ستيوارت، مدير وكالة استخبارات الدفاع، صريحون للغاية في اعتبار روسيا أحد أهم الأخطار التي تواجه الولايات المتحدة. ووزير الدفاع الحالي، أشتون كارتر، يؤيّدهم في هذا الرأي، وقد أصبح موقفه المعارض لأوباما واضحاً. لهذا قد يكون مستبعداً نجاح أوباما في إنجاز أي اتفاق مع الروس حول سوريا خلال الأشهر الباقية من ولايته. ولكن ماذا عن الإدارة المقبلة؟ آراء هيلاري كلينتون حول سوريا وروسيا باتت معروفةً للجميع. وإذا ما أسندت كلينتون منصب وزارة الدفاع إلى ميشيل فلورنوي، التي تطالب صراحةً بالمزيد من التدخل العسكري ضد التنظيمات الإرهابية وضد دمشق، فستكون هذه فترةً ذهبيةً لجنرالات «البنتاغون». أما إذا فاز دونالد ترامب، فمن المستبعَد أن يكون أنجح من أوباما في ضبط إيقاع جنرالات «البنتاغون»، لاسيما أن هؤلاء قد خالفوا أوباما مراتٍ وقوّضوا سياساته في ما يخص سوريا مرتين على الأقل، وهو، أي أوباما، سياسيٌ مخضرم يعتبره كثيرون أحد أذكى الرؤساء الأميركيين. من الصعب والحال هكذا أن نتصور كيف سينجح شخص مثل دونالد ترامب في ضبط جنرالات «البنتاغون». باختصار، يبدو هؤلاء الجنرالات على أحد موعدين: الاستمرار في معارضة آراء البيت الأبيض إذا ما انتخب ترامب رئيساً، أو الانطلاق على هواهم إذا ما انتُخبت هيلاري كلينتون.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6