مغامرة سعودية لتعزيز الداخل وتعزلها خارجيا

دشنت السعودية دخول العام الجديد بتنفيذ احكام الاعدام بحق 47 شخصا، اشهرهم رجل الدين والناشط المدني الشيخ نمر باقر النمر.

انكب ابرز المحللين والمراقبين على "فك شيفرة" الدوافع السعودية وسبر اغوار حساباتها الاقليمية في ظل انخراطها في حربيين متوازيتين، سوريا واليمن، وتردي علاقاتها مع الولايات المتحدة وتعرضها لانتقادات قاسية من معظم الدول الاوربية، مجاراة لمطالب شعوبها بمعاقبة السعودية لانتهاكاتها المستمرة "لحقوق الانسان، وحرمان المرأة من حقوقها..الخ."

ولفتوا النظر الى ان السعودية، التي كانت تعتبر نفسها قوة اقليمية باستطاعتها املاء رغباتها على القوى والدول المختلفة، قررت احاديا الدخول في صراع مفتوح مع ايران التي رفعتها لمرتبة العدو الاول وطالبت اعوانها الاقتداء بها، ولم يؤيدها في قطع علاقاتها الديبلوماسية مع طهران سوى البحرين والسودان. يشار الى ان السودان اقدم على سحب سفيره من طهران منذ بدء احداث "الربيع العربي،" واصطفافه بالكامل الى جانب الموقف السعودي.

في هذا السياق، اقدمت السعودية على فعلتها طمعا للحد من تدهور مكانتها التي رسمتها باملاءاتها الخاصة ورغباتها الذاتية وليس بناء على وقائع وضوابط واحكام الجغرافيا السياسية، وللحد من انزلاق نفوذها المتآكل منذ زمن.

"البعض" النافذ في آلية القرار السعودي يدرك ما حل بمكانة بلاده من انحدار وتدهور متسارع، كما يستدل من تسريبات مصدرها كبار السياسيين الاميركيين والذين على دراية معمقة لخفايا خلافات القوى القابعة وراء اسوار القصور الملكية والاميرية. يجزم الفريق الاول ان ابرام الاتفاق النووي بين ايران والدول الكبرى الست جاء تجسيدا لمسار افول نفوذ المملكة السعودية.

للدلالة، دروس التاريخ وخبراء الاستراتيجيا تشير بمجموعها الى ان التصرفات والسياسات المتهورة والطائشة والمغامرات آفة تحكم القوى المتدحرجة (السعودية) وليس الدول والقوى الصاعدة لتثبيت مكانتها (ايران)، والتي عادة ما تتحلى بقدر وافر من التأني والتروّي والصبر والمثابرة، وفق وصف بعض الخبراء الاميركيين.

الخبير المقرب من المؤسسة الحاكمة، ديفيد اتواي، وصف المسلك السعودي بأنه "يتطابق مع نمط ثابت منذ زمن للاقدام على اتخاذ تدابير صعبة للغاية كلما شعرت قيادة (السعودية) بانها تخضع لضغوط اجنبية او محلية شديدة." وذكّر اوتواي بقول منسوب لوزير الداخلية السعودي السابق، نايف بن عبد العزيز، موجها كلامه للقوى المدنية المطالبة باصلاحات بأن آل سعود تبوأوا مركز الحكم بقوة السيف وان تطلبت الضرورة يمكن العودة لاستخدامه مرة اخرى.

في زاوية التداعيات الملموسة، اوردت مجلة فورين افيرز المرموقة في احدث اصداراتها على خلفية قطع السعودية علاقاتها الديبلوماسية والتجارية مع ايران ان من شأنها "تأجيج الصراعات الجارية في سوريا واليمن وتعقيد الجهود الرامية لوضع حد لهما؛ وتقويض الحملة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الدولة الاسلامية في العراق والشام." واستطردت ان مضي السعودية بقرار اعدام الشيخ النمر وتجاهلها للتحذيرات الدولية "اسفرت عن تصدعات حقيقة فيما كان يعتبر علاقات شراكة (مع اميركا) ويعرضها لتساؤلات جادة حول مستقبلها ووجهتها."

لا ينبغي الاصطفاف الى تغليب احدى وجهتي النظر، في مناخ الصراع الاقليمي بين ايران والسعودية، بل لرصد وقائع ملموسة ينبغي اخذها بالحسبان للتوقف امام المبررات وراء تصرفات وقرارات متهورة تتخذها السعودية في سرعة من امرها وغير مفهومة للمراقبين والمتابعين للحدث الاقليمي على السواء. وعلى الضفة المقابلة، تسجيل ما آلت اليه نتائج "المناورات الميكيافيلية" (اشارة لمواقف تتسم بالخداع والدهاء) لايران التي وفرت لها فرصة للعب دور صاحب النفوذ الاكبر في المنطقة، بعد تراجع الدور الاميركي نتيجة حروبه في العراق وافغانستان.

ضمن آفاق هذه المعادلة، تجدر الاشارة الى التحولات الضاغطة على مواقف الدول الاوروبية على الرغم من انصياعها للقرار الاميركي. لخصت يومية نيويورك تايمز المواقف الاوروبية بأنها "تنحاز نحو تأييد ايران ضد السعودية،" عدد 4 كانون2/ يناير الجاري، ليس انطلاقا من مواقف "مبدئية" مسبقة بمعارضة عقوبة الاعدام بالمطلق فحسب، بل لتنامي معارضة الرأي العام الاوروبي "لدعم وتمويل السعودية للوهابيين والدعاة السلفيين الذين اسهموا مباشرة بنشوء ايديولوجية متطرفة،" وما لحق بعض العواصم الاوروبية من الآما نتيجة التطرف والتكفير.

واعربت الصحيفة عن تبلور قناعة بين النخب الفكرية والسياسية الاوروبية تفيد بأن مساعي السعودية "لمحاصرة ايران ستبوء بالفشل.. وربما تنذر بتحطيم الانجازات التي تم حياكتها بدقة وتأنٍ لوقف البرنامج النووي الايراني." واضافت ان الشعور العام في اوروبا يحمل السعودية مسؤولية تهييج حدة الخلاف الاخير واقدامها على اعدام الشيخ نمر النمر."

في الجانب الاميركي، رصدت النخب الفكرية التحولات السريعة التي طرأت على موقف الصين عبر تخفيف اعتمادها على السعودية "وطلب ود ايران.. التي تنظر اليها كأفضل دولة تتمتع بالاستقرار في المنطقة، ويساورها القلق من المسلك السعودي" بتأجيج الخلافات واللعب على حافة الهاوية، كما يعتقد البعض.

اميركا حائرة بين ايران والسعودية

موقف واشنطن الرسمي اتسم بالتروي الشديد رغم اطلاق التصريحات المزدوجة، التي لا تؤيد ولا تدين المسلك السعودي، وطالبت القادة الاقليميين "في عموم المنطقة اتخاذ خطوات ايجابية لتهدئة التوترات." وعللت موقفها مرارا انطلاقا من "قناعتها بأن الانخراط الديبلوماسي والمحادثات المباشرة تبقى ضرورية للتغلب على الخلافات.." وفي احدث تصريحات وزارة الخارجية ابتعدت فيه عن تأييد مساعي محتملة لوساطات متعددة: العراق والصين وعُمان، مشددة على الحوار الثنائي المباشر. (8 يناير الجاري).

يعتقد البعض في واشنطن ان الادارة الاميركية في حيرة من امرها "اذ ليس بمقدورها توجيه ادانة علنية لقرار السعودية بإعدام رجل الدين المعارض،" نيويورك تايمز 4 يناير، ومن ثم "تقويض مكانة القيادة السعودية الهشة وهي بحاجة ماسة اليها للاصطفاف الى جانبها في محاربة داعش،" وطمعها في الحفاظ على "العلاقة الخاصة" التي تربط الطرفين. بالمقابل، ميلها لتأييد ايران، وما ينطوي عليه من كلفة باهظة في التوازنات الاقليمية الراهنة على الرغم من رغبة جامحة في واشنطن لاقامة علاقات "ودية" مع طهران بعد عقود طويلة من عدم الثقة المتبادلة والعداء المعلن.

"تجرأت" الرياض على "توبيخ" واشنطن علنا عام 2011 لإحجام الرئيس اوباما عن الوقوف بجانب الرئيس المصري المخلوع، حسني مبارك، وفي الخلفية تكرار واشنطن لمسلكها ان تعرضت الرياض لتحركات ومطالب جماهيرية مماثلة.

لطمأنة الداخل الاميركي، صرحت واشنطن الرسمية بانها بذلت جهودا متعددة لدى الرياض تحذرها من تداعيات اقدامها على تنفيذ الاعدام بحق الشيخ النمر، عبر وزير الخارجية جون كيري، واختارت الرياض "تجاهل التحذير الاميركي." وصرح البيت الابيض مطلع الاسبوع الماضي ان "رسالة القلق الاميركية تم اثارتها مسبقا مع الجانب السعودي.. وادى تنفيذ الاعدام الى تسريع التداعيات التي حذرنا منها."

من بين حصيلة التداعيات المذكورة تنتشر تساؤلات اميركية مشروعة للحكمة من وراء الابقاء على "العلاقة الخاصة.. لا سيما وان السعودية اضحت مبعثا للقلق اكثر مما تتحمله الولايات المتحدة." وبناء على السياق المشار اليه تتعزز مطالبة واشنطن التعامل بحنكة وواقعية مع المتغيرات الدولية وربما الاقدام على اتخاذ خطوة غير مسبوقة باتجاه طهران وكسر حائط المحرمات السابقة الذي تصدع بفعل توقيع الاتفاق النووي.

هاجس البيت الابيض، منذ الآن وحتى انقضاء ولاية الرئيس اوباما في العشرين من كانون2/يناير 2017، يستند على ركيزتين: الحرص على ادامة استقرار المنطقة، وضمان تنفيذ بنود الاتفاق النووي بسلاسة ويسر، وعدم توفير الذريعة لأي من الفرقاء الاطاحة به او النيل من تطبيقه.

التقارب العلني بين السعودية و"اسرائيل" ليس وليد اللحظة الراهنة او ناجم عن تضافر اهدافهما في معارضة الاتفاق النووي مع ايران فحسب، بل يمتد عميقا في تاريخ نشأة كليهما تحت رعاية بريطانية واميركية. من نافل القول ان مفاوضات الاتفاق النووي حفزت كليهما "تنسيق" تحركاتهما واستغلال تباين نفوذهما وفعاليته للضغط على اعضاء الكونغرس وحفزه على توسيع دائرة معارضي الاتفاق.

ترددت انباء في واشنطن في الآونة الماضية، لم يتم نفيها، عن سماح السعودية لسلاح الطيران "الاسرائيلي" استخدام اجوائها لتوجيه ضربة للمنشآت النووية الايرانية. ادارة الرئيس اوباما اخذت علما بذل واتخذت عدد من الاجراءات لتقويض "ضربة وقائية احادية" على ايران تقوض سياساتها وتوازناتها الدولية، منها التنصت على اتصالات بنيامين نتياهو، وفق ما تم الاكشف عنه حديثا، فضلا عن نقل مكان المفاوضات بعيدا عن جنيف التي نجح فيها "الموساد" بزرع اجهزة تنصت متطورة على الوفود المتعددة ومنها الوفد الاميركي.

التثبت من معطيات راهنة، نستطيع القول ان السعودية قررت بمفردها التحرك نحو توتير العلاقات مع ايران، بدعم وتأييد "اسرائيلي،" مطمئنة لعدم معارضة الحكومة الاميركية، علنا على الاقل.

لم تستجب السعودية لجهود الوساطات المتعددة، آخرها كانت روسيا، التي تخشى واشنطن استغلالها الازمة المستجدة لاستعادة نفوذها وموقعها كدولة كبرى بين الاقوياء. وقالت وزارة الخارجية الروسية انها "على اتم الاستعداد للعب دور الوسيط بين السعودية وايران لاحتواء التوتر.. وجهوزية موسكو لاستضافة لقاء بين وزيري خارجية البلدين، عادل الجبير ومحمد جواد ظريف."

احد السفراء الاميركيين السابقين ممن مثل مصالح بلاده في الرياض ادلى بدلوه في تفسير العقلية المتحكمة بالازمة قائلا "بالنسبة للاسرة السعودية المالكة لا تعتبر ان بامكان الولايات المتحدة لعب دور الوسيط النزيه نظرا لإهدارها النفوذ الاميركي السابق مع الاسرة مقابل صفر حصدته من طهران." ومضى موضحا ان لا احدا "يثق بجهود (الرئيس) اوباما لحفظ السلم في المنطقة بعد الآن. ويعتقدون (الاسرة المالكة) ان طهران قدمت له اتفاقا نوويا لا احد يعتقد انه قابل للتنفيذ – مقابل استعادة (ايران) اصولها المجمدة التي تبلغ 100 مليار دولار؛ والتي ستستخدمها في دعم حلفائها في سوريا والعراق."

واعرب الديبلوماسي السابق عن اعتقاده ان تراكم القلق من التقارب مع ايران "حفز السعودية للمضي باتخاذ خطوات احادية الجانب.. غير آبهة بموقف واشنطن، بغية عزل ايران ودفعها وحلفائها للخلف."

الفريق الاميركي المناويء لسياسة الرئيس اوباما يعتقد ان ما تبقى من خيارات يمكنها تطبيقها بحق ايران اضحت محدودة، لا سيما في حرص ادارته على عدم الانجرار وراء الدعوات المطالبة بمعاقبة ايران على خلفية تجربتها الاخيرة على الصواريخ الباليستية لخشيته، كما يعتقد، من رفع وتيرة الضغوط على طهران وتعريض المكتسبات التي حققها الى خسارة صافية تفقده رصيد اساسي من ارثه الرئاسي.

توجهات الرأي العام الاميركي تدعم تروي الرئيس اوباما نوعا ما، اذ تشير أحدث استطلاعات الرأي الى قلق الجمهور الاميركي من تصاعد التوتر بين السعودية وايران، ويعول على استفادة واشنطن من دروس التوريط السابقة والنأي بنفسها عن ازمة كان يمكن تفاديها بتغليب الحكمة والبصيرة.

واشنطن الرسمية معنية بالحفاظ على "مصالحها" في المنطقة المتمثلة في نفوذ شركاتها الكبرى وعلى رأسها قطاع الاسلحة والنفط، وتلجأ عند كل نقطة انعطاف سياسية الى اقرار بيعها مزيد من الاسلحة والمعدات العسكرية للسعودية ودول الخليج الاخرى لاسترضائها، بصرف النظر عن قلق الاقتصاديين لناحية قدرة السعودية والآخرين الوفاء بالتزاماتهم المالية في ظل تراجع اسعار النفط في الاسواق العالمية، يقابلها استنزاف هائل للموارد والاحتياطات السعودية لتمويل حربها المزدوجة على اليمن وسوريا.

صفقات الاسلحة المبرمة مع الدول الخليجية لا تمثل حلولا طويلة الاجل لازمات آنية بأي حال من الاحوال، وواشنطن تدرك ذلك بعمق، بيد انها بقدر ما لها من مفعول "لاسترضاء" السعودية تسهم فقط في تنمية التوترات وتصاعدها بين الرياض وطهران؛ ويتم ترحيل حلها الى ادارة الرئيس المقبل مع الحرص على احتوائها دون سقف الانفجار التام.

في هذا الشأن، حثت فورين افيرز، سالفة الذكر، الرئيس اوباما استخدام نفوذ بلاده الهائل ومخاطبة العاهل السعودي مباشرة وبعيدا عن وسائل الاعلام بان الولايات المتحدة "غير راضية عن وجهة علاقة الشراكة الأمنية مع السعودية، وينبغي عليها بذل جهود تعاون اكبر لحماية المصالح المشتركة.. منها وقف مصادر تمويل داعش من شبكة المصادر الداخلية المتشعبة، تخفيف حدة التوترات مع ايران، تخفيض حدة الخطاب الطائفي.. والتلويح بأن الولايات المتحدة ستوقف توريد وتسليم كافة المعدات اللوجستية والدعم الاستخباراتي للقوات السعودية في اليمن."

* نشرة التقرير الأسبوعي لمراكز الابحاث الأميركية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0