بقلم: آية ممدوح

هل حدث وأن تفاجأت بمُضي ما يقرب من ساعة في تصفح ما تريد مشاهدته على "نتفليكس" (Netflix)؟ تستعرض قائمة الأفلام، الكثير منها بدا ممتعا لكن ليس لدرجة اتخاذ القرار بالمشاهدة، البعض قرَّرت بالفعل أن تشاهده، بل وبدأت في تخيُّل قدر المتعة المرتبطة به، والبعض ما زلت تشك في أمره، فـ"جيرارد باتلر ليس ممثلا ممتازا في كل الأحوال".

أنت الآن فيما يمكن أن نطلق عليه "وضع التصفح المستمر"، شعور السعادة الذي يُبقيك في هذا الوضع يعود إلى وجود مادة كيميائية سحرية هي الدوبامين. لدينا الكثير من الأمثلة عند الحديث عن الكلمة الساحرة التي يتزايد تأثيرها في الفترة الأخيرة وتتخذ موقعها في السيطرة على سلوكنا؛ هل شعرت بسعادة غامرة عندما جلست لتحديد مشترياتك عبر الإنترنت، ثم اختفت تلك السعادة بعد لحظات؟

في هذه الحالة، توقف الدوبامين عن التزايد، يظهر الدوبامين عندما نشاهد الحلوى في أحد المحلات أو حتى حين نشاهد صورا لها، وعندما نُنهي إحدى المهام ونمسك بالقلم لنضع علامة أمام كلمة "تم" (Done) في لائحة المهام، وحين نفتح تطبيق فيسبوك في انتظار ما يحمله من مفاجآت. فما سر هذه المادة التي تأسرنا اليوم وتُعَدُّ مسؤولة عن الكثير من أفعالنا؟ وهل حقا نحتاج إلى الكثير منها بحيث نبحث عن دفعاتها في كل ما حولنا؛ في مواقع التواصل والأغذية والملابس أحيانا كما سنرى؟ (1)

اكتشاف المتعة

كان العالم السويدي آرفيد كارلسون هو أول مَن اكتشف في عام 1957 أن الدوبامين هو واحد من 20 ناقلا عصبيا رئيسيا تواصل عملها باستمرار في حمل الرسائل العاجلة بين الخلايا العصبية، وفي الثمانينيات أجرى ولفرام شولتز، أستاذ علم الأعصاب في جامعة كامبريدج، سلسلة من التجارب كشفت أن الدوبامين يرتبط داخل دماغنا بالتحفيز والمكافأة التي نتوقع الحصول عليها، حيث ينطلق الدوبامین عند توقُّع المكافآت.(2)

في إحدى تجاربه كان شولتز يتابع النشاط العصبي داخل دماغ قرد مستيقظ لتتبُّع إفراز الدوبامين، كانت التجربة عبارة عن مكافأة يحصل عليها القرد بمجرد أن يفتح باب صندوق صغير، وبينما افترض الباحثون أن دفعات الدوبامين ستنطلق عندما ينفتح الباب ويحصل القرد على المكافأة، فقد وجدوا أن الدوبامين كان أسبق من ذلك، لقد انطلق الدوبامين بمجرد تحرُّك القرد ليحصل على المكافأة، حين فتح الباب وقبل أن يحصل عليها بالفعل، وبتكرار التجربة كان إفراز الدوبامين يتوقف عندما يعتاد القرد على المكافأة.(3)

وجد شولتز أن دماغنا يفرز الدوبامين استجابة لمؤشر ما يُنبئنا بإمكان الحصول علـى مكافأة، وحين تزيد المكافأة عما هو متوقَّع يزيد إفراز الدوبامين أكثر، بينما يقل إفراز الدوبامين عما هو معتاد حين تقل المكافأة عما توقعناه، هنا قد تقل مستويات الدوبامين بصورة حادة، مُسبِّبة شعورا یماثل الشعور بالألم إلى حدٍّ كبیر، إنه الشعور الذي نختبره كثيرا؛ حين يتأخر الراتب بعض الأيام، وحين تتأخر إشارة المرور لبعض الدقائق عما هو متوقَّع، وهكذا نواجه الشعور بالإحباط نتيجة انخفاض مستوى الدوبامين. إنه ما يُسميه علماء الأعصاب اليوم "خطأ توقُّع المكافأة" (Reward Prediction Error).

ولأن الدوبامين يسبق الحصول على المكافأة فإنه يدفعنا إلى مواصلة البحث عن تلك المتعة التي يمنحها لنا الفضول وحده، توقُّع المكافأة ثم تحققها، إننا مخلوقات فضولية، نستمتع بالسعي أكثر مما يسعدنا الإنجاز أحيانا. وبدلا من أن يصحب المتعة نفسها، فإن التطور جعلنا نحصل على الدوبامين عندما نفعل أشياء نتوقع أنها ستجلب لنا المتعة، وما أكثرها في عالمنا اليوم. (4)

بحث محموم يغذيه وادي السيليكون

يُعَدُّ الدوبامين المسؤول الأول عن بقائك الذي يبدو لك قهريا أحيانا على مواقع التواصل الاجتماعي، بما يتبعه من تأثيرات سلبية في قدرتك على التركيز في المستقبل، ولا يبدو أن الأمر مصادفة، اليوم يدخل الدوبامين بوصفه أحد المفردات التي يعمل وادي السيليكون على توظيفها، تقول ناتاشا شول، الأستاذة في جامعة نيويورك ومؤلفة كتاب "الإدمان حسب التصميم: آلة القمار في لاس فيجاس"، إن سر نجاح فيسبوك أننا نطالعه باستمرار لأننا لا نعرف تحديدا متى سيغمرنا التأثير اللذيذ، بصدور صوت الإشعار ومن ثَمّ إفراز الدوبامين، إنها التقنية نفسها التي استخدمها منذ فترة طويلة صانعو ماكينات القمار.

في السياق ذاته، كتب ديفيد بروكس في صحيفة نيويورك تايمز عام 2017 عن ذلك الشَّرَك الذي توقعنا فيه مواقع التواصل الاجتماعي عن عمد عن طريق غمرنا بدفقات غير منتظمة من الدوبامين، واليوم يتخذ الاستثمار في الدوبامين منحى علميا، رامزي براون شريك مؤسس في شركة "دوبامين لابس" (Dopamine Labs) يقول إن للدوبامين جاذبيته ووجوده اليوم في روح العصر، تعمل شركته المثيرة للجدل في كاليفورنيا على زيادة معدل استخدام الأشخاص للتطبيقات المختلفة؛ مثل تطبيقات الجري أو النظام الغذائي أو الألعاب، من خلال توظيف الدوبامين أيضا.

يقول براون إن شركة التطبيقات تُحقِّق نتائج إيجابية ملموسة جراء هذا الاستخدام المدروس لدفعات الدوبامين، في تطبيق للركض مثلا، التنويع الذي لا يتوقعه المستخدم بين كلمات التشجيع المختلفة، وما يتبعه من إفراز الدوبامين، نجح في تحقيق زيادة تصل إلى 30% في متوسط عدد المرات التي يذهب فيها الشخص للركض، وينطبق الأمر على تطبيقات الألعاب وغيرها. (5)

بل ووصل الأمر في عام 2020 إلى الغذاء، حيث أصدر الطاهي الإنجليزي توم كيريدج كتاب "حمية الدوبامين"، وهو نظام غذائي لفقدان الوزن يعتمد على تعزيز الحالة المزاجية وزيادة مستويات "هرمون السعادة" من خلال أغذية غنية بالبروتين وأوميجا-3 والتخلي عن الكربوهيدرات والكافيين والسكر، مع ممارسة الرياضة وخاصة اليوغا، الهدف الأساسي هنا هو التأثير في مراكز المتعة بينما نمضي نحو هدفنا في إنقاص الوزن.(6)

وفي عام 2022 ظهر وسم ملابس الدوبامين (Dopamine Dressing)، وينصح فيه المختصون في الأزياء بارتداء ملابس تسمح بإطلاق الدوبامين في الجسم، باختيار الألوان التي تناسبك وتبعث في نفسك السعادة، واستخدام تأثير الألوان في حمل الرسالة التي تود إرسالها إلى الآخرين، تعتمد هذه النصائح على فكرة مفادها أن ملمس الأقمشة والأناقة والألوان تُحسِّن الحالة المزاجية، تقول عالمة النفس كارين باين في كتابها "انتبه لما ترتديه: سيكولوجية الموضة" إن ما نرتديه يؤثر في شعورنا، فيُقرِّر أفكارنا وأحكامنا وقد يُشوِّهها أحيانا. (7)

لكن كل هذا البحث عن الدوبامين يُثير سؤالا مهما: ما التأثير الحقيقي لهذا الظهور المتكرر غير المسبوق لتلك المادة السحرية في لحظات متعددة خلال يومنا؟ وهل نحن بحاجة إليها بالفعل؟ نحن نتحدث هنا عن تلاعب مباشر بمعدلات سعادة البشر عن طريق مادة كيميائية، ألا يُعَدُّ ذلك مخيفا بعض الشيء؟!

حقيقة تأثير المادة التي تحكم أفعالنا

يقول جون هاري في كتاب "التركيز المسروق، لماذا لا يمكنك الانتباه؟" (Stolen Focus: Why You Can’t Pay Attention) إن الخطر الذي يُمثِّله هذا التلاعب بالدوبامين يَتمثَّل في أننا لا نحتمل "التحفيز الفائق" كما يسميه علماء السلوك، يتسبَّب التحفيز المفرط طويل الأمد لمستقبلات الدوبامين في أضرار تبدأ بالتأثير سلبا في قدرتنا على الانتباه والتركيز، وتنتهي بالإدمان.

إننا نجازف من جهة أخرى بإحداث خلل في الميل الطبيعي لأجسامنا لتحقيق التوازن بين الألم والمتعة، مع كل ارتفاع في مستويات الدوبامين والمتعة يعمل الدماغ على إحداث الانخفاض ومن ثم التوازن، والعكس أيضا، يغمرنا دماغنا بالسعادة بعد أن نعاني من الألم، وهذا هو سر شعورنا بالإثارة تجاه أنشطة تبدو مؤلمة مثل الاستحمام بالماء البارد أو تناول الطعام الحار أو القيام بمغامرة تبدو خطيرة، ما يحدث أن دماغنا يطلق بعد الألم مواد كيميائية عصبية مبهجة لإعادة التوازن، ومن هنا نشعر بمتعة هذه الأنشطة.

الأمر يشبه الأرجوحة، إذا ذهبت هنا معناه أنك ستذهب للجانب الآخر بعدها مباشرة، لذا فإن كل هذه الدفعات الزائدة من الدوبامين تعني بشكل ما تراكم "دَيْن الألم"، وأنه سيُلاحقنا يوما، فقد صممت أدمغتنا على استعادة التوازن والمستويات العالية من الدوبامين يتبعها الألم إذن، وعليه فإن الرغبة في مزيد من الإثارة التي تقود سلوكنا نحو إدمان مصادر الدوبامين تلك -مثل مواقع التواصل- تُسبِّب لنا في النهاية القلق والاكتئاب.(8)

في كتابها الذي صدر عام 2021 بعنوان "أمة الدوبامين"، تقول الطبيبة النفسية بجامعة ستانفورد آنا ليمبك إن الوفرة التي يُتيحها عالم اليوم تُمثِّل تحديا كبيرا، استهلاك الكثير يعني التعاسة، هذا الترابط بين المتعة والألم في الدماغ يُسبِّب إدمان الطعام والهواتف الذكية وغيرها من المتع التي تحيط بنا، بينما اعتقد كثير من مرضاها أن إصابتهم بالاكتئاب والقلق والأرق هي ما دفعهم لتعاطي المخدرات، تقول آنا إن العكس هو ما حدث، السلوك الذي رفع مستويات الدوبامين بشدة مُسبِّبا المتعة أودى بهم إلى أعمق درجات الألم بمجرد انتهاء تأثيره.(9)

ثمن الدوبامين

كما يقول جون هاري في كتابه السابق الإشارة إليه، فإننا أمام حرب شرسة على انتباهنا تُصيبنا بأمراض الانتباه، لكن الخبر الجيد أنه يمكننا الحد من التأثير السلبي لزيادة الدوبامين من خلال الحصول عليه بشكل معتدل وصحي، تنصح آنا ليمبك بأن تتأمل في أنشطتك اليومية لتحدد ما تقوم به بشكل يبدو قهريا ويتبعه عواقب سلبية، والمثال الأبرز بالطبع سيكون في الغالب إدمان مواقع التواصل ومطالعة الهاتف الذكي باستمرار، وبينما لا يُصنَّف كثير منها باعتباره إدمانا، لكنها تحرمنا السعادة الحقيقية بسبب ارتفاع مستويات الدوبامين بشكل غير طبيعي.

في كتابها تذكر آنا أمثلة متعددة، منها قصة فتاة صارت مولعة بالتسوق الإلكتروني، ومع الوقت صار عليها أن تطلب المزيد حتى تحصل على الدرجة نفسها من السعادة بحيث صارت الطرود تتوالى على منزلها، فقدت بهجتها المعتادة، وبقي عليها سداد الثمن المتزايد، كلنا سندفع ثمن الدوبامين بشكل أو بآخر.

* المصدر : الجزيرة

..............................................
المصادر
1- The Modern World is a Dopamine Minefield. Here’s how to navigate it.
2- Has dopamine got us hooked on tech؟
3- Discovering Dopamine’s Role in Reward Prediction Error
‫4- دماغك في أثناء العمل‬
5- Has dopamine got us hooked on tech؟
6- What dopamine diet؟
7- What Is ‘Dopamine Dressing,’ and Can It Really Make You Happier؟
8- The Modern World is a Dopamine Minefield. Here’s how to navigate it.
9- In ‘Dopamine Nation,’ Overabundance Keeps Us Craving More

اضف تعليق