بقلم: حسن فحص

يتفق العديد من السياسيين الاصلاحيين والمحسوبين على التيار المحافظ التقليدي بالإضافة الى اعضاء سابقين في السلك الدبلوماسي ان الطريق لإخراج ايران من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها لا بد ان تمر عبر الحوار المباشر بين طهران وواشنطن، وان الاستمرار بالتمسك بالشروط، خاصة ما يتعلق بالحصول على ضمانات امريكية بعدم انسحاب اي ادارة امريكية مقبلة من الاتفاق النووي قد لا يكون شرطا او مطلبا واقعيا، لجهة عدم قدرة الرئيس الحالي على إلزام الرئيس المقبل وادارته بذلك، فضلا عن الصعوبات التي يواجهها في تمرير مثل هذا الامر في الكونغرس الامريكي الذي تخرج معايير الانقسام فيه هذه المرة حول الموضوع الايراني عن المعايير الانتماء الحزبي بين ديمقراطيين وجمهوريين، ما يفقد بالتالي الرئيس جو بايدن امكانية الاعتماد على الاكثرية الديمقراطية الهشة لتمرير مثل هذا المشروع.

الحديث عن ضرورة وحتمية الحوار مع واشنطن، وان كان قد خرج من دائرة المحرمات الثورية والايديولوجية للنظام، الا انه في هذه المرة يشكل مؤشرا على نوع من حالة التمرد الواضحة لم يكن اي من الاطراف او الاصوات ليجهر بها في السنوات الماضية، وتحديدا في السنتين الماضيتين بعد اغتيال قائد قوة القدس الجنرال قاسم سليماني في بغداد، لانها تقع في الجهة المقابلة لمواقف المرشد الاعلى للنظام الذي ترك مسألة العودة الى الحوار المباشر او الجلوس الى طاولة واحدة مع الامريكيين الى ما بعد حسم الجدل حول آليات الغاء العقوبات الاقتصادية واعادة احياء الاتفاق النووي، طالما ان تحقيق هذا الهدف ممكن ضمن آلية التفاوض مع مجموعة 4+1 التي تؤخر مرارة التخلي عن الموقف من التفاوض المباشر وتؤجل موعد تجرعها، الذي يجمع الجميع انه آت قريبا او انه بات شبه قدر للنظام من اجل تكريس مكتسباته السياسية والاستراتيجية ومصالحه الاقليمية.

خريطة الطريق الذي يحاول النظام في طهران تكريسها في الطريق الى الموعد الذي توافق عليه مع الترويكا الاوروبية ومسؤول العلاقات الخارجية في الاتحاد الاوروبي في التاسع والعشرين من الشهر الجاري تشرين الثاني/نوفمبر، تنطلق من مسلمة ايرانية تقول بان النظام لم يعد محرجا في مسألة اعادة احياء الاتفاق النووي او استئناف المفاوضات حول هذا الملف، خصوصا وانه استطاع تحقيق تقدم واضح وخطير في مسألة اعادة تفعيل عمليات تخصيب اليورانيوم وانتاج فلز اليورانيوم واقترابه من مستويات تؤهله للانتقال الى المستوى العسكري في اقصر مدة ممكنة وتضعه على عتبة الدول ما دون السلاح النووي. من هنا فان التأكيد بان موعد التفاوض الذي حدد للعودة الى فيينا، سيكون تحت سقف المطالبة بالغاء العقوبات الاقتصادية وليس التفاوض حول طبيعة الاتفاق الموقع عام 2015.

هذا الموقف، يكشف ان النظام والتيار المحافظ والفريق المفاوض الجديد متمسك بالاتفاق الذي سبق لهم اتخاذ مواقف ناقدة ومعارضة للاتفاق الذي توصل اليه الرئيس السابق حسن روحاني وفريقه المفاوض بقيادة وزير خارجيته. وقد عبر هؤلاء مجتمعين عن هذا الموقف بوضوح من خلال التأكيد على العودة الى الاتفاق من دون زيادة او نقصان. ثم عادوا الى تأكيده بخريطة الطريق التي رسموها لمفاوضات فيينا المقبلة وحصرها بموضوع الغاء العقوبات وحجم المسائل التي ستشملها هذه الفقرة من العقوبات التي من المفترض ان تقوم واشنطن بإلغائها وهل ستشمل جميع الفقرات التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترمب بعد الانسحاب من الاتفاق او ستحتفظ الادارة الديمقراطية بجزء منها كونها لا تندرج تحت العنوان النووي بل الانساني ودعم الارهاب. وعليه فان هذا الفريق يؤكد ان الغاء العقوبات يشكل نقطة انطلاق لمفاوضات فيينا من جديد.

وعلى الرغم من الاجواء الايجابية التي يحاول وزير الخارجية الايرانية حسين أمير عبداللهيان اشاعتها حول نتائج الجولة الجديدة للمفاوضات بين بلاده ومجموعة 4+1، الا انه مع كبير المفاوضين علي باقري كني يصران على التأكيد بان الجولة الجديدة لا يمكن اعتبارها استكمالا للجولات الست السابقة التي قادها عباس عراقتشي، لان منطلقاتها مختلفة وتسعى فقط وتهدف الى دفع الولايات المتحدة لالغاء العقوبات من دون تقديم اي تنازل يتعلق بتعديل مضمون اتفاق 2015 وتضمينه وعوداً بوضع ملفي البرنامج الصاروخي والنفوذ الاقليمي على طاولة المباحثات والتفاوض في المستقبل.

الخشية من وجود نية لدى الفريق الايراني لإفشال المفاوضات واعلان وفاة الاتفاق النووي، بدأت ـ هذه الخشية تتزايد لدى اطراف ايرانية وامريكية على حد سواء، باعتبار ان الاجواء التي يشيعها المفاوض الايراني بتغليب عوامل المواجهة على عوامل التوافق، من خلال التمسك بمطلب الحصول على ضمانات امريكية للتنفيذ والالتزام بإنهاء والغاء العقوبات لمرة واحدة وبشكل دائم. خاصة وان مروحة التواصل التي بدأها عبدالليهان مع نظرائه في الترويكا الاوروبية التي مهدت الاجواء للجولة التي قام بها مساعده للشؤون السياسية ورئيس الوفد المفاوض باقري كني على هذه العواصم بالاضافة الى اسبانيا، ومحاولة توظيف المصالح الاقتصادية واغراءات الاستثمارات لإحداث تمايز في موقف هذه الدول مع الموقف الامريكي في محاولة لتفكيكه ومحاصرته، قد تدفع الجانب الايراني لمزيد من التشدد في مواقفه مع المفاوض الامريكي وشروطه.

وقد يكون خيار التصعيد الايراني في المفاوضات المقبلة، خياراً مقعداً، يخرجه من دائرة المناورة التي ترغب في استخدامها للحصول على تنازلات امريكية، وقد يكون التوقيت لهذه المناورة قد جاء متأخرا، اذ كان من المفترض ان يتزامن مع الخطوة الاولى لإدارة بايدن لإعادة احياء الاتفاق عندما كان يتمتع بكامل التأييد الداخلي وقادرا على تمرير الاتفاق داخل الادارة وفي الكونغرس، في حين ان بايدن وادارته قد لا تكون قادرة على مثل هذه التنازلات في هذه المرحلة بعد التراجع في شعبية الرئيس واتساع القاعدة المعارضة لأي اتفاق مع ايران بين الاعضاء الديمقراطيين الى جانب الجمهوريين في الكونغرس.

https://www.almodon.com

اضف تعليق