بقلم: حسن فحص

جلسة الثقة البرلمانية لحكومة الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي، هي بمثابة اعلان رسمي عن دخول ايران مرحلة سياسية جديدة مع الفريق الذي اختاره رئيسي مدعوما بتأييد واضح من قمة الهرم في النظام المرشد الاعلى ومؤسسات الدولة العميقة المؤثرة والمقررة، لإدارة ايران داخليا وخارجيا.

وبعيدا عن الاجراءات الشكلية لعملية التسلم والتسليم بين الوزراء الخارجين والوزراء القادمين، فان اكثر ما يستوقف المتابعين للشأن الايراني، سواء في الداخل او الخارج، هي الشخصية التي ستتولى مسؤولية ادارة وقيادة السياسة الخارجية لإيران في هذه المرحلة الدقيقة، وفي ظل التحديات التي من المفترض ان تتعامل معها، سواء في المستجد الافغاني، او في مسألة التعامل مع مسار المفاوضات النووية واعادة احياء الاتفاق بين ايران والسداسية الدولية، خصوصا الولايات المتحدة الامريكية، فضلا عن الملفات الساخنة في الاقليم، ان كان في العراق والتوازن بين المطلب الاستراتيجية للنظام بخروج القوات الامريكية وبين قرار واشنطن تغيير طبيعة المهمة التي تقوم بها هذه القوات في العراق من قتالية الى تدريب واستشارات.

بالاضافة الى المعركة المفتوحة بكل تشعباتها وتداخلاتها التي تواجهها ايران على الساحة السورية والمقايضة التي يجري الحديث عنها بين استمرار وجودها في هذا البلد والانسحاب الامريكي منه. وليس آخرا الازمة اليمنية وكيفية استثمار ما تم من حوارات بين طهران والرياض في التوصل الى حلول عملية لهذه الازمة، من دون اسقاط النفوذ والدور الايراني على الساحتين الفلسطينية واللبنانية من هذه الحسابات، خصوصا وان هاتين الساحتين تشكلان أبرز واهم العقد التي تعرقل التقدم في حوارات طهران واشنطن، بما تعنيانه من سعي واشنطن للحصول على ضمانات واضحة تتعلق باستقرار الدولة الاسرائيلية وخفض مستوى التهديد الذي يشكله حلفاء إيران في هاتين الساحتين لأمن الحليف الاساس لها في منطقة الشرق الاوسط.

الخيار الذي ذهب اليه النظام والرئيس رئيسي في اختيار حسين امير عبداللهيان ليكون على رأس الدبلوماسية الايرانية في الحكومة الجديدة والمرحلة المقبلة، اثار الكثير من الهواجس والقلق لدوائر القرار الدولية من مستقبل الدبلوماسية الايرانية وآليات وسياسات تعاملها مع هذه الملفات والملفات الاخرى. انطلاقا من كون عبداللهيان يمثل التيار المتشدد، ويتبنى دبلوماسية هجومية، برزت خلال عمله الى جانب وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، واجبرت الاخير الى اعفائه من مسؤولياته. وابعاده عن الوزارة وعن المشاركة بشكل مباشر في المفاوضات النووية والاقليمية، الا انه استمر مؤثرا وحاضرا من خلال موقعه الذي انتقل اليه كمستشار سياسي لرئيس البرلمان السابق علي لاريجاني والحالي محمد باقر قاليباف، ما سمح له بالاطلاع ومواكبة جميع مراحل التفاوض وتفاصيلها.

خصوصا وانه يعتبر من الاساسيين الذين مثلوا ايران في مرحلة التفاوض السري الذي استضافته سلطنة عمان عام 2013 الى جانب وزير الخارجية حينها علي اكبر صالحي، وعلى معرفة بالفريق الامريكي المفاوض الحالي، كون الطرفين شاركا في صياغة التفاهمات الاولى التي اوصلت الى مفاوضات جنيف وانتهت بالتوقيع على اتفاق تموز 2015.

وقد لا يكون من الصعب رصد المؤشرات الاولى لما ستكون عليه السياسة الخارجية لإيران في المرحلة المقبلة بقيادة عبداللهيان وتعاملها مع كل الملفات والازمات المطروحة على طاولة العمل على الصعيدين الدولي والاقليمي. اذ بات من المؤكد ان الرئيس الجديد وفريقه الدبلوماسي ملتزمان، انطلاقا من التزام النظام، باستكمال المسار التفاوضي في جنيف حول اعادة الاتفاق النووي والخروج من دائرة العقوبات الامريكية الاقتصادية.

الا ان الواضح مع الفريق الجديد ان الاستراتيجية التي ستعتمد بعد العودة الى طاولة التفاوض هي "استراتيجية هجومية" تسعى لاستغلال ما تعتبره ارباكات تعاني منها الادارة الامريكية في التعامل مع ملفاتها في منطقة غرب آسيا، والانسحاب الدراماتيكي التي تصفه طهران بـ"الهزيمة المدوية" من افغانستان، وانتظار ما ستواجهه من تداعيات قرار الانسحاب "القتالي" من العراق، وغيرها من الازمات في هذه المنطقة. وبالتالي فان ايران في ظل هذه التطورات لن تكون مجبرة على تقديم المزيد من التنازلات، وتسمح لها التمسك بموقفها المطالب بإلغاء جميع العقوبات التي فرضت عليها ما منذ عام 2018 والضغط لإنهاء العقوبات السابقة على هذا التاريخ.

الا ان الخاصية التي يتميز بها عبداللهيان في موقع كوزير للخارجية، هي انه يمثل سياسة النظام الاقليمية، اي انه سيكون وزيرا للمحور الذي تقوده ايران في المنطقة، او ما يسمى "محور الممانعة او المقاومة" وبالتالي فان الملفات الاقليمية ستكون اكثر حضورا على طاولة التفاوض ومساندا للوزير في التعامل مع الاطراف الدولية والاقليمية المعنية بهذه الازمات.

هذا الدور الجديد، يأتي نتيجة طبيعية لانتهاء الصراع والجدلية بين الثنائية الدبلوماسية والميدان، فعبد اللهيان في موقعه على رأس الادارة الدبلوماسية يعتبر ممثلا مباشرا وطبيعيا لسياسة "الميدان"، اي انه سيعتمد في دفع سياساته الدبلوماسية الى الامام بدعم من الميدان، وسيلجأ الى توظيف هذا الميدان لصالح تعزيز مواقف ايران السياسية والدبلوماسية مع الاطراف الدولية والاقليمية.

هذه المعادلة الجديدة القائمة على تداخل وتضافر الميدان مع الدبلوماسية، ستساهم في ظل قيادة عبداللهيان في اعطاء الاولية للاهتمامات الاقليمية للنظام وتقديمها على الاهتمامات الدولية، اي العمل من اجل الحفاظ على المصالح الاستراتيجية والقومية لإيران في غرب آسيا والدفاع عنها، وتوظيفها في تعزيز العلاقات او الاهتمامات الدولية. وهي معادلة تقلب المعادلة التي قامت عليها سياسات واستراتيجيات سلفه ظريف التي اعطت الاهتمامات الدولية الاولوية، باعتبار ان حل الخلافات مع المجتمع الدولي يساعد على تسهيل الحلول في الازمات الاقليمية.

التركيز على تفعيل الدبلوماسية الاقليمية لإيران في المرحلة المقبلة، والمؤشرات الواضحة لما ستكون عليه الدبلوماسية الايرانية مع الوزير الجديد، تنسجم مع الاستراتيجية التي رسمها رئيس الجمهورية في خطاب القسم، والتأكيد على اولوية تعزيز العلاقات مع الجوار الايراني، خصوصا الخليجي. وهذا ما يعزز الاعتقاد بتمسك الوزير الجديد عبداللهيان بسياسة الانفتاح على الجوار العربي، وتحديدا تعزيز المسار الحواري مع المملكة العربية السعودية كمنطلق لتهدئة الاجواء والحد من التوتر الذي تشهده المنطقة ووضع الازمات العالقة بين الطرفين من اليمن مرورا بالعراق وصولا الى لبنان وسوريا وفلسطين على سلم الاهتمامات والاولويات، لما لها من دور في رسم مستقبل العلاقة بين الطرفين وما لها من انعكاسات ايجابية على اوضاع المنطقة وازماتها.

https://www.almodon.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق