بقلم: حسن فحص

على الرغم من الايجابية التي ظهرت في حديث كبير المفاوضين الايرانيين عباس عراقتشي بعد انتهاء الجولة السادسة من المفاوضات النووية، عن ان الطريق الى اعادة احياء الاتفاق النووي مفتوحة وعلى الجانب الامريكي حسم قراره والقبول بالعودة الى الاتفاق ورفع جميع العقوبات، الا ان الامور لم تسر كما يرغب عراقتشي الذي عاد الى طهران لترتيب اوراق الجولة السابعة من المفاوضات التي من المفترض ان تكون الحاسمة، مع المرشد الاعلى والدوائر المعنية بالقرار. اذ ان الطرف الامريكي عاد الى ممارسة الضغط على المفاوض الايراني من بوابة العودة الى طرح مسألة المخاوف المستمرة لدى الاطراف الاقليمية والدولية من البرنامج الصاروخي والنفوذ الاقليمي لإيران.

الجولة الاوروبية واللقاءات التي عقدها وزير الخارجية الامريكي انتوني بلينكن مع نظرائه في الترويكا الاوروبية، خصوصا اللقاء الثلاثي الذي جمعه من نظيريه الفرنسي جان ايف لودريان والسعودي الامير فيصل بن فرحان، رفعت منسوب القلق الايراني من محاولة ابتزاز امريكية جديدة، خصوصا وان الوزير الالماني هايكو ماس كان صريحا بالعودة الى طرح موضوع ضرورة التوصل الى تفاهم واتفاق حول البرنامج الصاروخي، وهي مواقف تزامنت مع زيارة يقوم بها الرئيس الاسرائيلي رؤوفين ريفيلن الى المانيا بعد زيارة قام بها الى واشنطن ولقاء نظيره الامريكي جو بايدن.

وترى طهران ان الرئيس الامريكي بايدن انتقل لتبني سياسات هجومية ضد ايران والمحور الذي تقوده في المنطقة، وان بايدن بات اقرب لاعتماد المسار والاستراتيجية التي اعتمدها سلفه دونالد ترمب في التعامل مع قضايا غرب آسيا، وجاءت ترجمته في الهجوم الذي قامت به مقاتلات امريكية على موقع للحشد الشعبي على طرفي الحدود العراقية السورية في منطقة القائم- البوكمال، عندما قال بانه "اعطى شخصيا امر الهجوم ضد قواعد ميليشيات تدعمها ايران" ووصفه الدور الايراني في الشرق الاوسط بـ"المزعزع" وتأكيده على "مواجهة هذه الانشطة"، وهي مؤشرات تضعها طهران في اطار تمسك واشنطن بامكانية اللجوء الى الخيار العسكري في التعامل مع ايران وحلفائها.

وتعتقد طهران أن العودة الى الخيار العسكري والتمسك في الوقت نفسه بالمسار الدبلوماسي، تشكل مفتاح الاستراتيجية الامريكية في هذه المرحلة، والتي تقوم على مبدأ "الضغط والدبلوماسية" ما يجعل الامور اكثر ابهاما وغموضا، لأنها تأتي في اطار الاستجابة للمخاوف الاسرائيلية من النتائج المحتملة لإعادة احياء الاتفاق النووي، خصوصا وان تل ابيب تعتقد بان الامور قد تكون لصالح طهران في المنطقة، انطلاقا من معطيات لعل ابرزها -وحسب القراءة الايرانية- نتائج الحرب الاخيرة بين تل ابيب وحركة حماس، ومن ثم الاستعراض العسكري الكبير الذي اقامته هيئة الحشد الشعبي العراقي بمناسبة مرور سبع سنوات على تشكيله وبمشاركة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وما يعنيه ذلك من تثبيت هذه القوة الموالية لإيران في المعادلة الداخلية العراقية، فضلا عن دورها في مناطق النفوذ الايراني في الشرق الاوسط. وليس آخرها تداعيات القرار الامريكي بالانسحاب الكامل من افغانستان. وعليه فان الضربة التي وجهتها واشنطن لقواعد الحشد الشعبي، وحسب طهران، تصب في اطار الضرورة الامريكية وكرد فعل على "ميل" المعادلة والتوازن في منطقة غرب آسيا لصالح ايران ومحورها.

هذا التصعيد الامريكي او اللجوء الى استراتيجية "الضغط والدبلوماسية"، والقرارات والمواقف التي صدرت عن البيت الابيض تشكل مؤشرات سلبية بالنسبة لإيران حول النوايا الامريكية في موضوع الاتفاق النووي، خصوصا وانها تأتي عشية الجولة السابعة لمفاوضات فيينا، وتكشف عدم وجود نية امريكية لعودة "حقيقية" الى الاتفاق، وقد يؤدي ذلك لدفع الامور الى منطقة خطيرة تطيح بكل الاتفاق، عبر عنها وزير الخارجية بلينكن بالحديث عن "اقتراب" موعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، في وقت اكد فيه المندوب الامريكي في المسألة الايرانية روبرت مالي بان واشنطن لا تنوي ازالة كل العقوبات التي سبق ان فرضها الرئيس السابق ترمب.

في المقابل، فان طهران وجدت نفسها امام تحدي الخضوع للابتزاز الامريكي في القبول بما هو معروض على طاولة التفاوض، والالتزام المكتوب بالعودة الى الطاولة لبحث ازمة الصواريخ الباليستية وما بعده من نفوذ اقليمي، واما الذهاب الى خطوات تصعيدية والسير على حافة الهاوية او حد السكين من جديد.

ويبدو ان الجانب الايراني مازال يعتقد بانه يملك اوراقاً يمكن استخدامها لابتزاز واشنطن والترويكا الاوروبية، واللجوء الى خطوات تصعيدية مدروسة مهمتها استنفار هذه العواصم واجبارها للعودة الى التفاوض في الاطار الذي تتمسك به طهران والذي يقتصر على رفع جميع العقوبات واحياء الاتفاق وعدم ربطها بمسارات اخرى، من دون اقفال الباب امام امكانية بحث مسألة البرنامج الصاروخي والنفوذ الاقليمي لاحقا وعلى نصاب مختلف، في حال تأكدت القيادة الايرانية من جدية واشنطن وحلفائها في التعامل مع ايران في الجانب النووي والعقوبات المرتبطة به.

السكوت الايراني حول تمديد الاتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتعلق بموضوع الاحتفاظ بتسجيلات كاميرات المراقبة للمنشآت النووية الايرانية، بالاضافة الى فرض عراقيل امام عمل المفتشين الدوليين في اطار معاهدة الحد من انتشار اسلحة الدمار الشامل. بالاضافة الى الاستمرار في تطوير البرنامج النووي وتوسيع قدراتها على تخصيب اليورانيوم الى مستويات تتجاوز المستوى الذي اعلنته في ابريل/ نيسان الماضي بنسبة 60 في المئة، الى جانب عودة الحديث عن امكانية الانسحاب من الاتفاق النووي في حال لم تأت نتائج المفاوضات على قدر التوقعات الايرانية. خطوات يمكن تفسيرها في سياق التصعيد المتبادل في الوقت الضائع ما بين الاتفاق والانفجار.

https://www.almodon.com

اضف تعليق