تحرير: BLOOMBERG VIEW
ترجمة وتحليل: د. حسين احمد السرحان/مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

لاتزال الولايات المتحدة لديها مصالح مهمة في المنطقة (الشرق الاوسط)، والانسحاب بدون خطة سيقود حتما الى إجبارها على العودة عندما تتدهور الظروف وتعود التهديدات.

يهدف الرئيس دونالد ترامب الى إعادة آلاف القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان الى الوطن قبل انتخابات تشرين الثاني، لإظهار أنه يفي بتعهده بإنهاء حروب أمريكا في العالم الإسلامي. وفي الواقع فأن أفضل طريقة لتقليل فرص الانجرار مرة أخرى الى مثل هذه الصراعات هي ترك بعض القوات في مكانها ولكن مع توضيح مهمتها وترشيدها.

الحقيقة هي أن "الحروب التي لا نهاية لها" التي يندد بها ترامب باستمرار، قد انتهت بالفعل، وتقلص التواجد العسكري الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان بشكل جذري -من 170.000 جندي الى 5200 الآن في العراق؛ والى 8600 في أفغانستان بعد أن كان 100 ألف جندي.

جنبا الى جنب مع قوات الناتو والدول الشريكة الأخرى، تؤدي تلك القوات المتبقية مهام حاسمة بأقل تكلفة. ففي أفغانستان، تقوم تلك القوات بتدريب ودعم القوات الأفغانية، كذلك يجمعون المعلومات الاستخبارية ويقومون بمهام مكافحة الإرهاب. كما أنها توفر نفوذًا رئيسًا لحكومة كابول، التي بدأت مؤخرًا محادثات سلام مع حركة طالبان.

في العراق، من خلال العمل عن كثب مع الوحدات العسكرية المحلية الفعالة، تُبقي القوات الأمريكية خطر ظهور الدولة الإسلامية تحت السيطرة. والشراكة المتطورة تعزل القوات الخاصة العراقية عن الطائفية التي تسود الكثير من سياسات البلاد وتساعد على الحد من انتشار النفوذ الإيراني داخل صفوفهم. كما أن استمرار الوجود الأمريكي يدعم أيضًا رئيس الوزراء العراقي الإصلاحي مصطفى الكاظمي، الذي يفتقر الى قاعدة سلطة سياسية خاصة به.

الانسحاب الجزئي لا ينبغي أن يعرض تلك المهام للخطر بشكل كامل. اذ يبحث البنتاغون في خفض عدد القوات الى ما يقرب من 3000 جندي في العراق و4500 في أفغانستان. ويمكن للمقاولين والموارد البشرية الأخرى سد بعض الفجوات. وهناك ترحيب بسماع وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو يقول ان الانسحاب الكامل من أفغانستان لا يزال مرهونًا بقطع طالبان جميع العلاقات مع الجماعات الإرهابية. كذلك ارسلت الولايات المتحدة 100 جندي إضافي الى سوريا بعد اشتباك مع القوات الروسية هناك.

ومع ذلك، من الواضح أن ترامب يفضل خفض مستوى القوات الى الصفر. هذا هو الهدف الخاطئ، اذ لا تزال للولايات المتحدة مصالح مهمة في المنطقة، منها منع الهجمات الإرهابية، والحفاظ على تدفق إمدادات النفط، والحد من نفوذ إيران خارج حدودها. وإن الانسحاب بدون خطة لحماية تلك المصالح سيضمن فقط إجبار الولايات المتحدة على العودة عندما تتدهور الظروف وتعود التهديدات.

يمكن لعدد صغير من القوات الأمريكية، التي تعمل مع شركاء دوليين وقوات محلية وكذلك القوات الجوية الأمريكية والطائرات بدون طيار -مثلما فعلوا في الحملة الناجحة لدحر الدولة الإسلامية، أن تقلل من هذا الخطر بشكل كبير. ولجعل استمرار وجودهم مستدامًا، يحتاج صانعو السياسة الأمريكية والقادة العسكريون الى أن يكونوا أكثر شفافية مع الجمهور الأمريكي بشأن عدد القوات التي يتم نشرها، وما الذي يُتوقع منهم فعله ولماذا؟ يجب على الكونجرس إلغاء تصاريح الحرب الغامضة للغاية التي لا تزال تحكم القتال في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى، وسن تدابير أضيق وتكون محدودة في الوقت والجغرافيا. وينبغي إجبار الرؤساء المستقبليين بانتظام على حساب فعالية حتى نشر القوات المخفض.

تحتاج الولايات المتحدة أيضًا إلى استخدام الأدوات الدبلوماسية والمالية بشكل أكثر كفاءة، بدلاً من مطالبة البنتاغون بحل المشكلات التي لا يمكن لعدد من القوات حلها. الحكومة الأفغانية والجيش الأفغاني، على سبيل المثال، سوف يحتاجون إلى مساعدة أمريكية ربما تفوق كلفة وجود القوات الأمريكية في حال انسحابها، ولتشجيع المانحين الآخرين على الاستمرار في العطاء أيضًا. إن استعادة المتطلبات التي فرضها الاتفاق النووي لعام 2015 على إيران والتفاوض على اتفاقية أوسع لإنهاء أنشطتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار ستكون أقل تكلفة من محاولة دحر وكلائها المتشددين في كل مكان.

ما سيمنع الحروب في المستقبل إلى الأبد هو استقرار أكبر في المنطقة. هناك فرصة أفضل لتحقيق ذلك بوجود القوات الأمريكية على الأرض في المنطقة ولاسيما في العراق وافغانستان.

التحليل

لاتزال ادارة الرئيس ترامب تبحث عن منجز امام الراي العام الاميركي بما يرجح كفة الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة بعد ان اظهرت استطلاعات الراي تفوق محدود لمنافسه مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن. البعد الاستراتيجي لهذا الامر يتجلى أكثر بعد الانتخابات سواء استمر الرئيس دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة او وصل جو بايدن للبيت الابيض.

فبالنسبة للرئيس دونالد ترامب، لازال ينظر للموضوع من زاوية الكلفة والعائد. وتصريحه الاخير بشأن النية لعقد اتفاق جديد مع إيران بشأن برنامجها النووي يشير الى ادارة ترامب بدأت تدرس كلفة وجود قواتها في المنطقة للحد من النفوذ الايراني، وبين كلفة التفاوض مع إيران للوصول الى اتفاق نووي جديد يضمن عدم حصولها على الاسلحة النووية. ومؤكد ان كلفة اجراء اتفاق جديد هي اقل كلفة.

كما ان جو بايدن، في حال فوزه برئاسة الولايات المتحدة سيعمل بما عمل عليه الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما، وسينتهج تكتيكا قائم على الانسحاب من الشرق الاوسط لمواجهة تحديات الولايات المتحدة في جنوب شرقي اسيا وتصاعد قدرة الصين العسكرية والاقتصادية، وربما العودة الى الاتفاق النووي بين ايران والدول الـ(5+1) لاسيما مع بروز معارضة اوروبية للتوجهات الانفرادية للولايات المتحدة في موضوع العقوبات على ايران، فضلا عن تركيز الجهود الاميركية على مواجهة جائحة كورونا في الولايات المتحدة وبث المزيد من جرع الانقاذ للاقتصاد الاميركي كما ورد ذلك في خطاباته الانتخابية. الامر الذي سيعزز من شوكة إيران ويزيد من قدرتها على مد وتوسيع نفوذها في المنطقة.

هذا المدرك هو من دفع صناع القرار في اسرائيل والدول الخليجية الى ابرام اتفاقات سلام والبدء بعلاقات متكاملة تشمل جوانب العلاقات الدولية بينهما كافة.

بالنتيجة المنطقة ومنها العراق امام تحولات مهمة لابد من توافر صناع القرار في منطقة الخليج العربي والعراق على هذا المدرك ولابد من الشروع بتحالفات جديدة شرق اوسطية تضمن نوع من التكامل بين دول المنطقة قادر على الاستمرار والتطور. ونرى ان الشكل الاقتصادي لهذا التكامل هو امر مهم بسبب الانعكاسات السلبية لجائحة كورونا على الاقتصادات الشرق اوسطية، وكذلك الامكانيات والموارد الاقتصادية التي تتوافر عليها هذه دول المنطقة.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

...................................
رابط المقال الاصلي:
https://theprint.in/opinion/why-the-us-shouldnt-withdraw-all-its-troops-from-afghanistan-and-iraq/508710/

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

40