بقلم: مصطفى سعدون

يبدو أنّ الكتل السياسيّة العراقيّة عاجزة عن تقديم مرشّح بديل عن رئيس الحكومة العراقيّة المستقيل عادل عبد المهدي، بسبب رفض الشارع الأسماء التي طرحت طيلة السنوات الماضية.

الموعد النهائي الدستوري لترشيح رئيس وزراء جديد سينتهي في 15 من ديسمبر، ولكن لم يظهر أي اسم معين في الأفق بعد. وقال المتحدث باسم الرئيس العراقي، برهم صالح، في 13 من الشهر نفسه، إن الرئيس ملتزم بتحديد مرشح رئاسة الوزراء خلال الفترة الدستورية.

في محاولة للوفاء بالموعد الدستوري، ألقى وزير حقوق الإنسان السابق محمد شياع السوداني قبعته في الحلبة يوم الجمعة، وأعلن في حسابه على تويتر أنه استقال من حزبه، حزب الدعوة الإسلامية، ليصبح مرشحا وطنيا لرئاسة الوزراء. لم يتم ترشيح السوداني من قبل أي كتلة في البرلمان، ولكن من المفترض أن يكون مدعوما من قبل كتلة فتح التي هي الجبهة السياسية لفصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران ودولة القانون التابعة لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

ولكن، قد أرسل الرئيس طلبًا في 15 ديسمبر إلى البرلمان، يطلب فيه تحديد الكتلة الأكبر، من أجل ترشيح مرشح لمنصب رئاسة الوزراء، مما يدل على أن فتح لم تكن قادرة على تشكيل أكبر كتلة ولم يكن ترشيح السوداني ناجحا. في الواقع ، فإن أحد الانتقادات الرئيسية ضد البرلمان والحكومة التي تشكلت بعد انتخابات 2018 هي أن العملية برمتها لم تتبع التعليمات الدستورية التي تلزم البرلمان بتحديد أكبر كتلة بشكل رسمي، وهو ما لم يحدث.

مضافا، فقد قوبل السوداني برفض كبير من قبل المتظاهرون من قبل، حيث يمكن رؤية صورته بين خمسة مرشحين محتملين آخرين في ميدان التحرير بعلامة شطب أحمر كبير، مما يشير إلى أن المتظاهرين لا يقبلون أيًا من الأسماء. والأسماء الخمسة الأخرى هي: عزت الشابندر ، قصي السهيل ، أسعد العيداني ، عبد الحسين العبطان وإبراهيم بحر العلوم.

وكان المحتجون قد أعلنوا قبل ذلك أنهم يريدون وجهاً جديداً دون أي انتماء للطبقة السياسية الحالية لقيادة الحكومة المؤقتة والاستعداد لإجراء انتخابات مبكرة، بشرط ألا يشارك الانتخابات المقبلة. بالإضافة إلى المحتجين، رفض مقتدى الصدر، الذي يملك حتى الآن أكبر كتلة برلمانية، السوداني أيضًا. وكان الصدر قد قال إن على المحتجين ترشيح رئيس الوزراء الجديد.

وقال عضو البرلمان العراقي يونادم كنا في 8 كانون الأول (ديسمبر) إن 120 نائباً تقدم إلى الرئيس العراقي برهم صالح بقائمة "الخصائص" التي ينبغي أن يتمتع بها رئيس الوزراء العراقي الجديد. وفقًا لهذه الخصائص ، يجب ألا ينتمي رئيس الوزراء إلى أي حزب سياسي ويجب ألا يحمل جنسية أخرى غير العراقية.

في 7 كانون الأول (ديسمبر) ، أخبر مستشار الرئيس العراقي "المونيتور" أنه من بين الأسماء المقترحة أسعد العيداني ، محافظ البصرة. تم اقتراحه من قبل أطراف قريبة وموالية لإيران. وفي الوقت نفسه ، وافق السنة والأكراد على اسم وزير النفط السابق إبراهيم بحر العلوم. "

وقال المستشار أيضًا: "لم يتسلم صالح رسميًا بعد أسماء المرشحين الذين اقترحتهم الكتل السياسية لرئاسة الوزراء". كما كشف للمونيتور أن ممثلي الكتل البرلمانية حضروا اجتماعًا مع الرئيس في 9 ديسمبر لمناقشة المرشح لرئاسة الوزراء ، لكن الاجتماع انتهى دون حل، لأن الأحزاب السياسية تصر على اختيار شخص من الطبقة السياسية الحالية بناءً على العملية المتداولة السابقة، لكن صالح رفض وجهة نظرهم، قائلاً "يجب إعطاء المتظاهرين دورًا في هذه العملية".

ولم يبق أمام الكتل السياسيّة العراقيّة سوى أقلّ من أسبوع وفق المدّة الدستوريّة لتقديم رئيس حكومة جديد، لكنّ الخلافات داخلها وخوفها من غضب متزايد للشارع تؤخّر عمليّة تقديم المرشّحين، خصوصاً بعدما سحب زعيم التيّار الصدريّ مقتدى الصدر نفسه من تقديم أيّ مرشّح أو تزكيته، وأعلنت كتلته سائرون في 3 كانون الأوّل/ديسمبر عمّا أسمته "تنازلها" عن حقّها في اعتبارها الكتلة الأكبر.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة النهرين في بغداد ياسين البكري لـ"المونيتور" إنّ "المعادلة الجديدة عقّدت المعقّد أساساً الذي كان يشهد جولات لأشهر بين الغرماء، ومع ذلك ستحاول الأحزاب الخروج بمرشّح ضمن المدّة الدستوريّة خشية تصاعد التظاهرات، لكن لا شيء يبدو واضحاً في شكل جلّيّ لفهم المسار السياسيّ في العراق، وتحديد ما إذا ستنجح الأحزاب في اختبار المدّة الدستوريّة أم ستفشل، والمرجّح أنّها لن تنجح بذلك في ضوء التعقيد المشار إليه سلفاً".

وأضاف أنّ "رئيس الجمهوريّة وبعد استقالة رئيس الوزراء، استسلم لتفسير الذهاب إلى حكومة تصريف أعمال وليس التفسير الآخر بحسب المادّة 81 من الدستور العراقيّ التي تمنحه صلاحيّات رئيس الوزراء حتّى التوافق على رئيس وزراء جديد، لذلك المؤشّر الأبرز أنّه سينتظر ترشيحات الأحزاب لرئيس الوزراء المقبل ليكلّفه اكتفاء بصلاحيّاته البروتوكوليّة".

وتنصّ المادّة 81 من الدستور العراقيّ على أنّه "يقوم رئيس الجمهوريّة بتكليف مرشّح آخر بتشكيل الوزارة، خلال مدّة لا تزيد على 15 يوماً، ووفقاً لأحكام المادّة 76 من هذا الدستور"، ويبدو تحقّق ذلك شبه مستحيل في ظلّ عدم وجود أسماء مقبولة لدى الشارع العراقيّ.

وتقترح أحزاب سنّيّة ترشيح شخصيّات غير شيعيّة لمنصب رئيس الحكومة، ويؤكّد ذلك بيان النائب عن تحالف القوى (السنّيّ) رعد الدهلكي في 3 كانون الأوّل/ديسمبر الحاليّ، الذي قال فيه: "إذا ما أرادت الجهات التي تدّعي رفضها المحاصصة أن تطبّق الشعارات التي رفعتها، فعليها أن ترشّح شخصيّة من مكوّن آخر غير الشيعيّ لرئاسة الوزراء، وأن تترك خيار الموافقة عليه للجماهير بعيداً عن القوى السياسيّة".

إنّ مقترح السنّة في خصوص اختيار رئيس حكومة من غير الشيعة فيه الكثير من المبالغة، فعرف النظام السياسيّ العراقيّ بعد عام 2003 انتهى برئاسة الجمهوريّة للأكراد، والحكومة للشيعة، والبرلمان للسنّة، لذا يبقى ملفّ تقديم المرشّح إلى رئاسة الحكومة محصوراً بالأحزاب الشيعيّة وموافقة بقيّة الأحزاب.

قبل أيّام، حاولت الكتل السياسيّة جسّ نبض الشارع العراقيّ، فطرحت مجموعة أسماء بديلة عن عبد المهدي في شكل غير مباشر، منها وزير التعليم العالي والبحث العلميّ الحاليّ قصي السهيل، ووزير النفط الأسبق ابراهيم بحر العلوم، ورئيس الحكومة السابق حيدر العبادي، ومحافظ النجف الأسبق النائب عدنان الزرفي، وكذلك وزير الشباب والرياضة السابق عبد الحسين عبطان، لكنّ هذه الأسماء جميعها لاقت رفضاً وسخرية كبيرة من العراقيّين على مواقع التواصل الاجتماعيّ.

كان التحدّي السابق للأحزاب الشيعيّة في تقديم مرشّح رئاسة الحكومة يتعلّق بالشركاء السنّة والأكراد، لكن بعد 1 تشرين الأوّل/أكتوبر، تغيّرت المعادلة، وصارت الأحزاب الشيعيّة التي ترأس الحكومات التنفيذيّة منذ 16 عاماً في مواجهة مباشرة مع الشارع، وهذا ما يعقّد المشهد أكثر ويضعها في إحراج يؤدّي إلى غضب الناس.

قال الباحث في المركز الإقليميّ في الجامعة الأميركيّة في السليمانيّة رحمن الجبّوري لـ"المونيتور" إنّ "الكتل لن تستطيع اختيار أيّ مرشّح خلال المدّة الدستوريّة، لأنّها مشتّتة ولا قرار لها غير مراقبة ما يحدث في الساحات وهي غير مقتنعة بنفسها ومشلولة ولا قدرة لها على التفاوض أو اتّخاذ قرار".

وأضاف الجبّوري الذي يحضر إلى ساحات الاحتجاج وفي تواصل مع المحتجّين أنّ "المحتجّين لديهم مواصفات محدّدة لرئيس الحكومة الجديد، منها قربه من الساحات، وعدم تورّطه في الاشتراك في فساد نظام عام 2003، وبعده عن إيران والكتل الكبرى، وامتلاكه إدارة تنسيقيّة من أجل إقامة الانتخابات من دون فضائح من سبقه".

ويذهب موسى رحمة، وهو أحد منسّقي الاحتجاجات في بغداد، مع المواصفات التي تحدّث عنها الجبّوري، ويضيف عليها خلال حديثه إلى "المونيتور": "نريد رئيس حكومة يعيد للعراق سيادته، ونختاره من ساحة التحرير لا من السفارات".

في 2 كانون الأوّل/ديسمبر الحاليّ، اجتمع ممثّلون عن تحالفي الفتح والنصر وتيّار الحكمة الوطنيّ والقوى الكرديّة في بغداد، واتّفقوا على أن يكون رئيس الحكومة الجديد مقبولاً من المرجعيّة والشارع، وغير متأثّر بالولاءات الخارجيّة. وتؤكّد العموميّات التي طرحها هذا الاجتماع أنّ الكتل السياسيّة العراقيّة عاجزة فعلاً عن تقديم مرشّح بديل عن عبد المهدي.

يؤكّد السياسيّ العراقيّ ابراهيم الصميدعي وجود عجز داخل الكتل السياسيّة لتقديم مرشّح يقبل به الشارع، ويشير إلى أنّ "الأسماء التي طرحها زعيم تحالف الفتح هادي العامري، لن تحصل على قبول من الصدر مهما كانت، والأسماء التي يطرحها تيّار الحكمة الوطنيّ المعارض بزعامة عمّار الحكيم، ليس لها صدى".

ويتوقّع الصميدعي خلال حديثه إلى "المونيتور" أن "يحصل توافق لإعادة حيدر العبادي إلى رئاسة الحكومة"، ووفقاً لتوقّعه، فإنّ "إيران قد تذهب لترتيب أوراقها مع العبادي لإعادته إلى رئاسة الحكومة".

في المحصّلة، إنّ السنوات السابقة التي لم يتدخّل فيها الشارع في اختيار رئيس حكومة، كانت تأخذ فيها الأحزاب السياسيّة أشواطاً طويلة تستمرّ لأشهر حتّى تصل إلى شخصيّة متوافق عليها، لذا فإنّ المدّة إن لم تقصّر، فستطول هذه المرّة، وستنتهي المدّة الدستوريّة من دون تقديم أيّ مرشّح.

https://www.al-monitor.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3