بقلم: عمرو حمزاوي

إسقاط رؤساء الجمهوريات لا يكفي بمفرده للتخلص من الاستبداد، والإعلان عن جداول زمنية لدساتير ستكتب بنوايا ديمقراطية ولانتخابات ستنظم بتنافسية لا يرتب إزاحة نخب حكم سلطوية تمترست واعتاشت طويلا على نهب موارد المجتمع.

لن يعود المحتجون في الجزائر والعراق ولبنان إلى بيوتهم. لن يدفعهم إلى مغادرة الساحات العامة موعد قريب لإجراء الانتخابات الرئاسية، وستخفق استقالة رؤساء الوزارات ومفاوضات التشكيلات الحكومية الجديدة والوعود الوردية بالإصلاح القانوني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي في حملهم على ترك الشارع الذي صار الخروج إليه أداتهم الرئيسية للمعارضة السلمية وللمشاركة الجماعية في صناعة مستقبل يباعد بينهم وبين آفات الاستبداد والفساد والطائفية التي تصبغ واقع اليوم.

من مآلات انتفاضات 2011 تعلم الناس أن إسقاط رؤساء الجمهوريات لا يكفي بمفرده للتخلص من الاستبداد، وأن الإعلان عن جداول زمنية لدساتير ستكتب بنوايا ديمقراطية ولانتخابات ستنظم بتنافسية لا يرتب إزاحة نخب حكم سلطوية تمترست منذ زمن داخل مؤسسات الدولة واعتاشت طويلا على نهب موارد المجتمع.

تعلم الناس أيضا أن حكومات ما بعد الانتفاضات سرعان ما تختزل وعود الإصلاح القانوني والسياسي في إجراءات جزئية كاستصدار قوانين انتخابية جديدة لا تضمن القضاء على شبكات الزبائنية والفساد والمحاصصات الطائفية، وكتشكيل مفوضيات مستقلة للانتخابات وهيئات لمكافحة الفساد ينتقص من صلاحياتها على نحو يلغي فاعليتها إن لجهة ضمان نزاهة العمليات الانتخابية أو لجهة المحاسبة الجادة للفاسدين.

من مآلات انتفاضات 2011 تعلم الناس أن النص في الدساتير على حقوق المواطنة المتساوية دون تمييز بين أغنياء وفقراء لن يليه تلقائيا اجتهاد الحكومات لكفالة الحياة الكريمة سكنا وتعليما وإعاشة ورعاية صحية للقطاعات الشعبية المهمشة ومحدودة الدخل، مثلما لن تفضي النصوص الدستورية المتعلقة بإقرار العدالة الاجتماعية إلى إدخال تغييرات جذرية على السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية المتبعة لكي يعاد توزيع الثروة بعيدا عن احتكارات وامتيازات نخب الحكم ولكي ينتهي النهب على يد الشبكات الزبائنية والفاسدة والطائفية ولكي تحصل الأغلبيات على نصيبها الشرعي من موارد المجتمع.

وعلى ذات المنوال، لم يكن لدساتير تكتب بنوايا ديمقراطية أن تنجح بمفردها إن في إجبار نخب الحكم على احترام استقلالية القضاء والسلطات الرقابية للبرلمانات أو في إخضاع المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية النافذة للمساءلة والمحاسبة أو في إنهاء وجود الميليشيات المعسكرة والخارجة على القانون. لم يكن لدساتير تكتب بنوايا ديمقراطية أن تنجح في أي من ذلك دون حضور إرادة شعبية كاسحة وطويلة المدى.

تعلم الناس، إذا، أن أفضل النصوص الدستورية لن تقارب بينهم وبين حقوقهم إن هم غادروا الساحات العامة وتركوا الشارع وتوقفوا عن الاحتجاج السلمي قبل أن تطبق التغييرات الجذرية. فلا أمان لنخب حكم ديدنها السلطوية والفساد والطائفية، وليس الدستور هو الضامن النهائي للإصلاح بل الضغط الشعبي المستمر.

وبالمثل تعلموا، وكما دللت مآلات الانتفاضات في ليبيا وسوريا واليمن، أن الحفاظ على الطبيعة السلمية لاحتجاجاتهم والامتناع عن مواجهة العنف الرسمي (من خلال المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية) وغير الرسمي (من خلال الميليشيات وعصابات الشبيحة والبلطجية) هما ضمانتا حماية بلادهم من أخطار العنف الأهلي والحروب الأهلية وصماما الأمان ضد الفوضى وغياب الاستقرار.

في الجزائر والعراق ولبنان، وفي السودان من قبلهم، تحاول نخب الحكم السلطوية من خلال التعقب والقمع وانتهاكات الحقوق والحريات وأحيانا بالقتل وإراقة الدماء توريط الناس في العنف لكي تشوه احتجاجاتهم ويرادف بينها وبين الخروج على القانون وارتكاب الأفعال المجرمة. تحاول النخب ذلك دون توقف، وتلحق محاولاتها بحملات إعلامية محمومة لنزع الشرعية الأخلاقية والوطنية عن المحتجين بالترويج للادعاء الزائف بتورطهم في العنف. وحسنا يفعل الناس بالتمسك بالسلمية وتعرية نخب حكم تخرج هي على القانون وصارت في سياساتها وممارساتها العنيفة، رسمية وغير رسمية، وبرطانتها الإعلامية وزبائنيتها وفسادها وطائفيتها أشبه بعصابات الجريمة المنظمة.

من مآلات انتفاضات 2011 تعلم الناس واكتسبت احتجاجاتهم في 2018 و2019 سمات الاستمرارية (أي النفس الطويل)، ووضوح الرؤية (أي عدم المساومة على التغييرات الجذرية بوعود وردية لم تنفذ بعد أو بإصلاحات جزئية ومنقوصة)، والفعل الاستراتيجي الذكي (أي المقاومة السلمية لعنف النخب وإدراك أن إزاحة رؤساء مستبدين وإسقاط حكومات فاسدة وطائفية وكتابة دساتير ديمقراطية جميعها لا تضمن النجاح النهائي لحراك الشعوب). ولهذا، لن يعود المواطنون المحتجون في الجزائر والعراق ولبنان إلى بيوتهم لا اليوم ولا غدا ولن تزيدهم السياسات والممارسات البائسة لنخب الحكم إلا تمسكا بالساحات العامة وبالشارع.

فقد تعلم الناس من 2011، أما النخب فلم تتعلم شيئا يذكر. هي اليوم في فعلها إزاء الاحتجاجات الشعبية في 2018 و2019 كما كانت في مواجهة انتفاضات 2011: تعول على العنف تعقبا وقمعا وانتهاكا وقتلا لإخافة المواطنين المحتجين وحملهم على مغادرة الساحات العامة، والحصيلة هي مئات المعتقلين في الجزائر ومئات القتلى وآلاف الجرحى في العراق وقليل من القتلى وعشرات الجرحى في لبنان. تعول على حملات التشويه الإعلامية للمرادفة الزائفة بين الاحتجاجات والفوضى وعلى الإعلان عن إصلاحات جزئية لتفريغ الشارع من المحتجين، والحصيلة هي خطاب سياسي بائس لا يتورع عن تهديد المواطنين بالعنف الأهلي إن لم يقبلوا إجراء الانتخابات الرئاسية في الجزائر واستقالة الحكومة وتمرير قانون الانتخابات الجديد في العراق وتشكيل حكومة تكنو-سياسية في لبنان كغاية المراد من النخب المتحكمة في أمور العباد والبلاد.

لم تتعلم النخب العربية شيئا يذكر، فالاستبداد نخر في عظام مكوناتها (عسكرية وأمنية وبيروقراطية ومدنية) وشبكات الزبائنية والفساد والطائفية جردتها من كل خيال سياسي وذكاء استراتيجي إلى الحد الذي لم تعد معه قادرة على توظيف سياسات وممارسات مبتكرة لإطالة أمد بقائها في السلطة في سياق احتجاجات شعبية واسعة. ولا يستثنى من هذا التعميم في 2018 و2019 غير السودان الذي انفتحت به مؤسسته العسكرية الحاكمة على شراكة للسلطة مع قوى اجتماعية ومدنية مختلفة، بعد أن يئس الجنرالات من إعادة الناس إلى بيوتهم وبعد أن استنفدوا رصيد توظيف العنف والتشويه ووعود الإصلاحات الجزئية دون نجاح يذكر في إخلاء الساحات والشوارع. يستثنى السودان في 2018 و2019، مثلما شذت تونس في 2011 عن المآلات غير السعيدة لانتفاضات العرب.

أما في الجزائر والعراق ولبنان، فإن ثنائية الشعوب التي تعلمت ونخب الحكم التي لم تتعلم حتما سترفع من وتائر المواجهة بين مواطنين يطالبون بحقوقهم المشروعة وبين حكومات تفهم أن شرعيتها غائبة وسلطانها دون العنف إلى زوال.

* باحث في مؤسسة كارنيغي، وهذا المقال نشر في صحيفة القدس العربي
https://carnegie-mec.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4