ينظر الى اوراق كتاب "شرح بن عقيل" وهي تتقلب أثر نسمات هواء تسربت بين ثنايا الكتاب المملوء بتواقيع الزمن, وعبث اقلام الرصاص التي تركت جروح سوداء غائرة تحت كل كلمة تحتاج الى تنقيب فيما كتبه قاضي القضاة.

يدرس طلاب كليات الآداب قسم اللغة العربية في الجامعات العراقية كتاب "شرح ابن عقيل" لثلاث سنوات وهو كتاب في النحو والصرف كتبه قاضي القضاة بهاء الدين عبد الله بن عقيل الهمداني المصري, الكتاب عبارة عن شرح لألفية ابن مالك في مختلف أبواب النحو والصرف، مع إعراب تفصيلي للشواهد.

بينما يدرس طلاب كليات الزارعة مناهج من كليات العلوم والهندسة ولا يتبينون فلسفة اختصاصهم الا في المرحلتين الثالثة والرابعة, ويتمكن الطلاب فيهما من دراسة المواد المنهجية حسب اختصاصات اقسام كليات الزراعة.

ان التعليم الحكومي في العراق مجاني ومركزي تتحكم فيه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بوضع المناهج الدراسية وتسير الجامعات وفق ما تقرره الوزارة.

الكثير من المناهج الدراسية وخصوصا في الكليات الانسانية لم تتحدث او جرى تحديثها بصورة لا تتوافق مع ما وصل اليه العالم, اذ تكتفي الوزارة بتحديث (20%) من المنهج, كما لا تسمح الوزارة للجامعات او الأساتذة باطلاع طلابهم على ما وصل اليه العالم من اكتشافات وتطور الا بنسبة (20%) من المنهج المقر سنويا, اي تحديث المنج الدراسي بالكامل بعد خمسة سنوات.

في هذا الاطار يقول أ. د. حيدر كامل زيدان السعدي عميد كلية العلوم في جامعة بابل ان "تحديث المنهج بنسبة 20% كافية لمواكبة التطور العلمي الحاصل في الدولة المتقدمة".

اما رئيس قسم علوم الحياة أ.د ايمان جارالله فقالت انها "الى حد ما مقتنعة" في المنهاج الدراسية المقرة لطلابها.

الطالب في المرحلة الرابعة بقسم الفيزياء حيدر ياسين عبد، اكد "وصلت الى المرحلة الرابعة لكني لا استطيع ان استرجع اياً مما درسته في المراحل السابقة". وعند سؤاله عن السبب اجاب "بي وبأستاذ المادة والمنهج", مشيرا الى ان "منهج مادة الحاسوب مثلا يعتمد على البرامج القديمة واساسيات صنع الحاسوب"، لافتا "انا لا احتاج الى ان ادرس مبادئ الـ0 والـ1، بقدر الحاجة الى معرفة اساسيات الدخول على الانترنت مثلا او الاستفادة من الحاسوب في مجال اختصاصي".

عدد من الطالبات اكدن انهن يقرأن المادة الدراسية بصورة اسموها "شلالي" (قراءة مستعجلة للحفظ دون فهم) مبينات انهن يبحثن "عن النجاح والشهادة الجامعية".

فما اكدن وكثير من الطلبة ان "اللغة الانكليزية هي العامل الاصعب" لديهم.

وفي كلية الآداب قسم اللغة العربية يشعر الطلاب بأن اختصاصهم مجرد قضاء وقت لأنه لا يجد اي وظيفة في المستقبل تناسبه.

الطالب في المرحلة الرابعة مهند دخيل، يقول ان "كلية الادب- قسم اللغة العربية تعتبر كلية ساندة، لذلك فان اي دائرة حكومية لا تقبل خريجي الكلية".

واضاف "اكملت اربعة سنوات على مضض لأني لا استطيع الذهاب الى كلية اهلية"، مؤكدا "قدمت على سلك الشرطة اكثر من مرة خلال مدة دراستي في الكلية".

من جهته الطالب محمد علي بين ان "مشكلة الكلية هي اليأس الذي يخيم على طلابها من المستقبل"، موضحا "لا دائرة حكومية تقبل خريجي كلية الآداب قسم اللغة العربية، ونحن ندرس كي نؤمن مستقبلنا... لكن كيف ونحن لا تقبلنا التربية كمدرسين ولا تقبلنا الوزارات الاخرى كباحثين".

الطالبة سارة التي رفضت كشف اسمها الكامل قالت "هدفي هو الدراسات العليا والمناهج الدراسية اجدها جيدة لنا كقسم لغة عربية رغم كثرها"، مستدركة "لكننا ندرس بعض الكتب لثلاث سنوات كشرح بن عقيل".

اللافت في الامر لم يشتك طلاب قسم اللغة العربية من المنهج كون دراستهم انسانية لا تحتاج الى مختبرات او طرائق تدريس معقدة لإيصال المادة العلمية.

أما الطالبة سجى خضير طالبة دراسات عليا في كلية التربية قسم الجغرافية عند سؤالها عن ذكرياتها مع مناهج المراحل الاولية في الجامعة، تنهدت وغارت ببصرها في جوف الايام مستخرجة لحظات وصفتها ب"معاناة".

تقول خضير ان "مناهجنا كطلاب تربية ومدرسين في المستقبل تحتوي على الكثير من المعلومات حول هذا الاختصاص"، مبينة "لكن هذا المعلومات ينقصها وسائل الايضاح الجيدة والحديثة"، مؤكدة "لا يوجد في الكلية اي مختبر لرسم الخرائط او دراستها".

اما زميلها فزاد انهم وطوال مدة دراستهم لم يخرجوا في سفرة علمية او عمل حقلي. فيما اضافت خضير "يلقننا الاساتذة مادة اسمها طرائق تدريس لكنهم لا يستعملوها معنا ابدا".

وفي كليات الزراعة فالمشكلة اعظم وافجع، الكثير من الطلاب يتركون الكلية بعد المرحلة الاولى ويلجئون الى الكليات الاهلية او تعديل اختيارهم في القبول المركزي، هروبا من كم الحصص الدراسية وصعوبة المناهج وعدم مقاربتها لحياتهم.

الطالبة آمنة حاتم تقول "كلية الزراعة صدمة لم اتوقعها، لان الكثير لا يجد مستقبله فيها،... وصلت الى المرحلة الرابعة وانا اقرأ كي انجح واتخرج لا أكثر".

وتضيف "عندما ندرس المادة يجب ان ننفذ ما درسناه في المختبر،.... لكنه فارغ".

حاتم تقترح ان تكون المناهج الدراسية في كليتها خالية من "تعقيد السبعينات"، وتزيد "اكثر مناهجنا لم تحدث من كتابتها في السبعينات والثمانينات (من القرن الماضي) والعالم اليوم اصبح يستخدم هذه المناهج وادواتها في المتاحف".

ما يجمع الكثير من الطلاب انهم لم يصلوا الى مكتبة الكلية او مكتبة الجامعة العامة اطلاقا ولم يبحث عن اي معلومة تخص اختصاصه على شبكة الانترنت، والقليل منهم اكد انه يذهب الى المكتبة اذا طلب الاستاذ منه ذلك او احتاج مصادر لإكمال بحث التخرج.

السيد صفاء ناصر حسن معاون امين عام المكتبة المركزية في جامعة بابل، قال ان "المكتبة استخدمت عدة طرق لجذب الطلاب لها وتعويدهم على الاستعارة والمطالعة". مضيفا "الكثير من الطلاب يعاني من الامية الالكترونية لذلك استخدمنا عدة اساليب لجعل الطالب يبحث عن الكتب من على المنصة الالكترونية للمكتبة".

واشار حسن الى ان "الطالب او الباحث يستطيع البحث عن الكتاب في بيته عن طريق موقع الجامعة وتسجيل رقم الكتاب وتسلسل المؤلف", لافتا الى ان "الكثير من الطلبة لا يعرفون حتى البحث عن الكتب الكترونيا ونحن نجبرهم على ذلك من خلال الطلب منهم البحث بأنفسهم بمساعدتنا".

أ. د. حيدر كامل زيدان السعدي عميد كلية العلوم في جامعة بابل كشف عن "خطة للجامعة لجعل التعليم الكترونيا في 2016 بالكامل"، مؤكدا "بدأنا بتجهيز المختبرات والقاعات الدراسية بالكثير من الاجهزة التي تساعد على ايصال المعلومة للطالب، وتحويل طريقة ايصال المناهج الدراسية من التلقين الى الايضاح والمشاركة".

وعند النظر الى المنهج، كعنصر من عناصر النظام التعليمي الجامعي، فهو ليس وحده المسؤول عن ما هو عليه حال التعليم العالي في العراق اليوم، ولكنه ركيزة من ركائز النظام.

وما يصيب هذه الركيزة من وهن وتخلف فانه ينعكس كليا على مجمل النظام وحركته. ولا يؤدي إجراء تعديلات على المناهج الدراسية حدوث نقلة نوعية في التعليم العالي أبدا ما لم يصاحب ذلك تغييرات نوعية متوافقة في ركائز التعليم الاخرى ومعطياته من طرائق التدريس، نظام القبول، معايير تقييم الاداء، معايير الجودة، الخ.

مشاكل المناهج الدراسية

1_ان سبب مركزية وضع المناهج الدراسية للجامعات هو المساوات بينها في حال انتقال الطلبة وهم قلة يمكن معالجة وضعهم بأي حال.

2_ نسبة من التدريسيين افقهم المعرفي لم يتسع اكثر مما موجود في المهج ولم يطوروا انفسهم من خلال الاطلاع والبحث.

3_ سيادة الجانب النظري على الجانب التطبيقي والعملي في كثير من الاحيان مع عدم جعل البيئة المحيطة ملامسة للطالب في مجال اختصاصه.

4_ اتباع الاساتذة لطريقة التلقين وايصال المنهج بأسلوب الرد والكتابة وعدم اتباع اساليب علمية في طرائق التدريس، مما جعل المحاضرات مجرد عرض لمعلومات تخصصية وليس تدريس علم له مقوماته ومنهجه وفلسفته.

5_ اجبار الاستاذ على اكمال المنهج، يجبره على ترك البعض من فصول المادة وجعل سلسلة المعلومات متقطعة يصل بالطالب الى ذهن مشتت.

6_ غياب ثقافة البحث لدى بعض الاساتذة والكثير من الطلبة مما انعكس على مستوى الواقع التعليمي.

7_ المواد الدراسية منفصلة عن بعض، بحيث لا تشكل جسما معرفيا متكاملا.

8_ المناهج الدراسية عامة وليس فيها تخصص دقيق.

9_ غياب الجانب التطبيقي العملي لكثير من المواد الدراسية، وعدم ربطها بالحياة اليومية للطالب او المهنة التي يفترض أنه يؤهل علميا لها.

10_ عدم وجود علاقة بين المنهج الدراسي والبيئة العراقية.

11_ ممارسة مشاريع بحوث التخرج بطريقة أفقدتها قيمتها وأهميتها في ربط المواد العلمية التي درسها الطالب ببعض.

12_ غياب النشاطات اللاصفية المكملة للمنهج الدراسي والمعززة له.

13_لم يعد للكتب المساعدة مكان في حياة التدريسي حيث تراجعت الكتب المنهجية أمام مد الملازم وتكتيب الطلبة المختصرات.

14_ نظام القبول المركزي في العراق اصبح مسول عن تخريج الاف الطلاب الى المجهول، فالكثير من الكليات لا وجود لمخرجاتها في سوق العمل، لكنها تستقبل مدخلات بالآلاف كل سنة.

المناهج الدراسية في الدولة المتطورة

1_ اعتماد النظام الفصلي أو المقررات، وحتى على مستوى التعليم ما قبل الجامعي.

2_ يمثل العملي 61% منها، والاعتماد على الطالب في اكتساب المعرفة والخبرة المباشرة من خلال النشاطات الصفية واللاصفية والعصف الذهني وغيرها من طرائق تدريس عصرية.

3_ تقنية بدرجة عالية، وفي مختلف مفاصل عملية التعلم والتعليم.

4_ المناهج الدراسية تخصصية دقيقة ومن السنة الجامعية الأولى، وحسب رغبة الطالب وميوله (نظام المقررات).

5_ المناهج الدراسية موجهة لسوق العمل واتجاهاته ومساره.

6_ المناهج الدراسية متداخلة التخصصات العلمية (التقليدية).

ماذا يجب أن نعمل لنرتقي وننهض؟

في ضوء ما ذكر آنفا ، فالفجوة بين المناهج الدراسية في الجامعات العراقية وما هي عليه حاليا والمناهج الدراسية في جامعات العالم المتقدم كبيرة جدا. وأن النقلة النوعية ضرورية في سبيل نقل هذا البلد الى واقع اخر يستند على العلم ويتقدم بالمعرفة، ولكن الامر ليس بالهين ولا يحدث التغيير بين ليلة وضحاها. بل يستوجب وقفة جادة بوجه كل مظاهر التخلف والكسل والخمول.

ومن أجل أن يحدث التغيير ويتحقق، وتصبح النقلة النوعية واقعا وليس حلما، من الضروري أن:

1_ يعاد النظر في جميع ما يعيق تطوير المناهج الدراسية في الجامعات العراقية من قوانين وتوقيتات زمنية من خلال اعطاء الاقسام والكلية صلاحية رسم شخصيتها واسلوبها على ضوء امكانات البيئة السكانية والاحتياجات الوظيفية ومساحة سوق العمل.

2_ تطوير النظام الاداري والتعليمي في الجامعات وايجاد نظم جديدة في التعامل مع المرقنة قيودهم والنازحين وعودة الراسبين الى مقاعد الدراسة.

3_الالتزام الكامل بنسبة حضور الطلبة للمحاضرات، وعدم تجاوز الغيابات نسبة 11% وتجريد الطالب غير المجد من دوره في تدني المستوى العلمي والقيمي.

4_ تسمية المواد الدراسية التي تتطلب عملي وتحديد نسبة العملي من النظري في المنهج ومتابعة التنفيذ فصليا.

5_ جعل التخصص العلمي الدقيق يبدأ من السنة الدراسية الثالثة، وتكون السنتين الأولى والثانية للمواد العامة لتشكل أساسا للتخصص الدقيق.

6_ تدريس مادة واحدة على الأقل في كل فصل دراسي باللغة الانكليزية.

7_تسمية النشاطات الصفية واللاصفية ضمن مفردات مواد المنهج. و الاهتمام بالنشاطات الصفية واللاصفية المكملة للمنهج الدراسي والمعززة له، وجعلها ضمن خطة القسم الفصلية والسنوية والتي تعتمد في تقييم الأداء.

8_ إعادة الحياة إلى نظام صفوف طلبة الشرف، وتبني الطلبة المجدين المتميزين ليكونوا دما جديدا للأقسام العلمية والدراسات العليا بعيدا عن النظر للطالب بعين المحسوبية والمنسوبية.

9_ إيلاء مشاريع أبحاث التخرج اهتماما خاصا ومعاملتها كجزء أساسي من متطلبات التخرج، إسوة برسائل الدبلوم والماجستير، وأرشفتها في مكتبة القسم والكلية.

10_ التركيز على الاقسام والكليات المهنية في نظام القبول المركزي وايقاف القبول لسنة كل اربعة سنوات في الكليات التي مخرجاتها عاطلة عن العمل.

كيف نصل الى ما سبق؟

1_ إعادة النظر في نظام القبول في الجامعات، ويفضل أن تستحدث سنة تأهيلية يأخذ الطالب فيها مواد تعينه لاختيار التخصص. وهذه السنة لا تعني قبول الطالب في الجامعة، وانما مرحلة انتقالية تأهيلية مكثفة تحدد مستقبل الطالب.

2_وضع برنامج تطويري لحملة الشهادة الجامعية العليا من خريجي الجامعات العراقية يتضمن دورات مكثفة في اللغة الانكليزية، ودورات في تقنيات التعليم الحديثة.

3_ إعادة النظر في الدراسة المسائية، من مختلف الجوانب والمعطيات، وتحويلها إلى جامعات أو كليات أهلية منفصلة كليا عن الجامعة أو الكلية الاصل.

4_ إعادة النظر في مناهج الدراسات العليا بشكل يجعلها تخصصية دقيقة تتناسب مع حاجة المجتمع ومتطلبات سوق العمل، آخذة بالتقنيات الحديثة ومطبقة لها.

5_ مراقبة الجامعات الاهلية ومدى تطبيقها للقوانين والسياقات المعمول بها في نظيرتها الحكومية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1