بالزواج كما هو معروف يسعى الإنسان المسلم ليتمم نصف دينه ويدعم اللحمة الاجتماعية ويزيد التكاثر البشري الذي يضيف قيمة اجتماعية ذات سمات إنسانية وقوة مضافة تجعل المجتمع محترما أمام المجتمعات الأخرى على هذه البسيطة. وعليه فان الحفاظ على هذه النعمة الإلهية من أهم الواجبات التي تقع على عاتق البشر وتحديدا الزوجين لأن الزواج أصلا هو ميثاق بين الرجل والمرأة بموجبه يحل لكل منهما الاجتماع مع الآخر، ويهدف ذلك الى إنشاء رابطة مشتركة للحياة السعيدة والنسل وبناء مجتمع متماسك وقويم، هذا من جانب ومن الجانب الآخر فان الطلاق يفتك بوحدة المجتمع الصغير أي الأسرة وصولا الى المجتمع الكبير ويؤدي الى تمزقه وتفاقم المشاكل الاجتماعية الى حد مؤذي من جانب تشرد الأطفال وترهل شخصية المرأة من جوانب عديدة، لذلك صار الطلاق ابغض الحلال عند العلي القدير تبارك وتعالى، ويرفضه أو لا يشجع عليه قانون الأحوال الشخصية العراقي.

استطلعت (شبكة النبأ المعلوماتية) رأي المختصين بهذا الموضوع الاجتماعي الحيوي والمهم، من باب المساهمة في نشر الوعي الفكري بهذا الجانب الشرعي، من حياتنا بهدف الحد من انتشار هذه الآفة التي تسهم في النيل من البناء الاجتماعي وهي الطلاق، لأننا لاحظنا في السنوات الأخيرة تزايد نسبة الطلاق في مدينة كربلاء..

وكان لقاؤنا الأول مع قاضي الأحوال الشخصية في المحكمة الاتحادية بمحافظة كربلاء المقدسة الأستاذ (علي عبد الزهرة العامري) الذي قال:

الزواج شرط إنساني في حياة كل إنسان وتحديدا المسلم لتكملة نصف دينة وبناء أسرة متماسكة من خلالها ينشأ المجتمع الكبير ونحن من جانبنا كمحكمة أحوال شخصية نسعى إلى تسهيل إجراءات الزواج ونشر الوعي بين المتزوجين عن معنى مفهوم الزواج وصولا إلى الطلاق الذي لا نشجع عليه ونحاول قدر الإمكان ان نصلح بين الزوجين وحدثت عدة حالات مصالحة بين الأزواج وعادوا إلى حياتهم الزوجية والعائلية الطبيعية، لان الطلاق يؤدي إلى تهديم المجتمع وتفكيك لحمته ويبغضه الباري عز وجل.

كثرة نسبة الطلاق بعد الحرب في العراق

لقد بدأ تزايد نسبة الطلاق في العراق قبل الحرب بسنوات وذلك لسوء الظروف الاقتصادية آنذاك للمجتمع ولكن بعد الحرب زادت قليلا لتفاقم الوضع الاقتصادي المتردي بشكل ملفت للانتباه، أما بالنسبة لأسباب الطلاق بشكل عام فهي عديدة منها بالدرجة الأساسية عدم القدرة المالية للزوج كي يستطيع أن يوفر مصاريف الحياة الزوجية إضافة إلى عدم الوعي الفكري والمفاهيمي للمعاني السامية للزواج والمحافظة عليه وعدم السماح لوصول المشاكل للطلاق، إضافة الى عدم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنت بشكل صحيح مما تؤدي الى خلق الخيانات الزوجية.

وسألنا القاضي نفسه، هناك حالات طلاق تحصل بين المتزوجين من ذوي الأعمار المتقدمة بالسن لماذا وما هي أسبابها ونسبتها بين حالات الطلاق بشكل عام؟.

ــ نعم فعلا تحصل مثل هكذا حالات ولكن بنسب قليلة جدا لا تتجاوز من 5 الى 10 بالمائة وذلك لأن أغلبية المتزوجين من كبار السن لا يفضلون الطلاق لأسباب عديدة أهمها الأعراف الاجتماعية والعلاقات الشخصية حتى وان انفصل الزوج عن زوجته، ويقع الطلاق إن حصل بين المتزوجين من كبار السن على خلفية زواج ثاني عن طريق المكاتب الشرعية وليس عن طريق المحكمة ويأتي دور المحكمة هنا تصديق الزواج فقط إذن السبب الرئيسي لطلاق المتزوجين من كبار السن هو الزواج الثاني وعدم قدرة الزوج على التوفيق بين الزوجتين لذلك يحصل الطلاق بعد مشاكل عديدة.

إقامة الصلح

ثم توجهنا إلى قاضي الأحوال الشخصية الثاني الأستاذ (باسم كريم) الذي شرح لنا أنواع الزواج ليساعد على نشر الوعي ولو بشكل يسير لدى القارئ الكريم حيث قال:

الطلاق نوعان، أولا طلاق رجعي حيث يحق للزوج أن يرجع بزوجته بعقد جديد والنوع الآخر هو الطلاق البائن أي الطلاق الخلعي.. ونحن كمحكمة أحوال شخصية مع البناء الأسري القويم الذي يقوم على الصلح والألفة والمحبة والابتعاد عن المشاكل التي تؤدي بالمتزوجين الوصول إلى وقوع الطلاق ونسعى جاهدين إلى إقامة الصلح لكن غالبا ما يكون المتزوجون مصرين على الطلاق ونحن ليس أمامنا غير تنفيذ القانون وإقامة العدل.

وسألناه، كم دعوى طلاق تنظر من قبلكم شهريا وما هو الملفت للنظر فيها؟.

فأجاب كريم: تختلف من يوم لآخر ولكن أستطيع أن أقول بأن نسبة 40 بالمائة من نسب الطلاق تقع ضمن واجبنا من بين قضاة الأحوال الشخصية في المحكمة الاتحادية بمحافظة كربلاء المقدسة البالغ عددهم ستة قضاة وأغلبها يقع فيها الطلاق لعدم تقبل الزوجين حالة الصلح رغم جهودنا في الصلح وذلك لتأزم المشاكل بينهما، أما بالنسبة للملفت للنظر بهذه الحالات التي تنظر من قبلنا هو (العمة) أي أم الزوج وأم الزوجة الثابت لنا علما أن أسباب الطلاق الأساسية عدم القدرة المالية للزوج وعدم الوعي الفكري، لكن وجدت أن لتدخل أم الزوج والزوجة في الحياة الزوجية لولديهما الأثر السلبي الذي يؤدي الى خلق المشاكل بين الزوجين التي تصل بهما للطلاق وهذا بدوره يرجع الى سوء القدرة المالية للزوج الأمر الذي يجعله مرتبطا بأهله ومطيعا لهم وهذا كما معروف لدينا غير محبب من قبل الزوجة لذلك تشتعل بينهما المشاكل دون أن يجدوا من يطفئها.

بعض الحلول الممكنة

وسألنا القاضي باسم كريم عن الحلول المناسبة للتخفيف من وقوع الطلاق بين الزوجين في رأيكم؟.

فأجاب: أنا أعتقد نشر الوعي عن معنى وأهمية الزواج والطلاق بين الشباب من خلال عقد الندوات وإلقاء المحاضرات الدورية من قبل متخصصين ورجال دين ومنظمات مجتمع مدني، لأننا لاحظنا من خلال الحالات المنظورة أمامنا بأن الكثير من المتزوجين الذين يرفعون دعاوى طلاق لا يعرفون ماهي المسؤولية التي تقع على عاتقهم ولا يفهمون المعاني الأولية للزواج والطلاق وتأثيرهما على المجتمع سلبا وإيجابا، وتوفير فرص العمل للمتزوجين العاطلين عن العمل.

ثم انتقلنا إلى مكتب البحث الاجتماعي في محاكم الأحوال الشخصية والتقينا الباحث الاجتماعي (محمد علوان محسن) الذي شرح لنا آلية عمل البحث الاجتماعي وهدفه حيث قال: تحول لنا الدعوى من قبل القاضي سواء كانت دعوى تفريق قضائي أو تصديق طلاق سواء كان رجعي أو خلعي، ونقوم بدورنا تحديد موعد لحضور الزوجين معا في الموعد ونستمع لهما بهدوء ونسألهما عن أهم المشاكل التي تقع بينهما والتي أوصلتهم الى حالة الطلاق وأسبابها ونحاول تسوية المشاكل بينهما وفي حالة اذا وجدنا نسبة قبول الصلح الذي نسعى إليه نؤكد عليه ونكثر من المواعيد لحضور الزوجين في محاولة منا للتقريب بينهما، أما في حالة إصرارهما على الطلاق عندئذ نكتب تقريرنا الى القاضي بمجريات البحث ومن ثم يكون القرار للقضاء. وأكد على أن نسبة دعاوى الطلاق خلال عام 2014 تراوحت بين ثلاثة الى أربعة آلاف دعوى في حين دعاوى الطلاق منذ بداية عام 2015 ولحد الآن وصلت إلى 1750 دعوى.

عقد ندوات تثقيفية

وفي مكتب نقيب محامين كربلاء ناقشنا موضوع الطلاق مع السيد المحامي علي الياسري نقيب المحامين بحضور مجموعة من المحامين ساهموا في النقاش، وأوضح السيد علي الياسري:

لاحظنا من خلال عملنا زيادة نسبة الطلاق في السنوات الأخيرة بشكل ملفت للنظر وطبعا الأسباب التي تؤدي الى وقوع الطلاق بين الزوجين معروفة لدى المختصين بهذا الشأن وغير المختصين وهي الوضع المادي للزوج ومستواه الفكري والاجتماعي أيضا، نحن كنقابة محامين قمنا بزيارة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي ممثل المرجعية في محافظة كربلاء المقدسة، وطرحنا على سماحته كثرة نسب الطلاق التي تفتك بتراص ووحدة المجتمع التي نحتاجها الآن أكثر من اي زمن مضى، وطلبنا من سماحته العمل سوية على التخفيف او الحد منها وتمت مناقشة الموضوع بروية وعلمية ووفق الشرعية الجعفرية المتبعة في تقنين الزواج والطلاق وبدوره استجاب لنا سماحته واتفقنا على عقد ندوات تثقيفية بهذا الخصوص عن طريق الحوزات العلمية والجمعيات المدنية المجتمعية.

وأكد المحامي محمد أمين الحمداني عضو مجلس غرفة محامين كربلاء المقدسة: من خلال تواجدنا واطلاعنا على حال محاكم الأحوال الشخصية وتحديدا موضوع الطلاق بالإضافة الى الحالة الاقتصادية الفقيرة للزوج، تردي المستوى الثقافي للزوج والزوجة على حد سواء وهذا يزيد الهوة بينهما لعدم التفاهم، وعدم الفهم الصحيح للزواج والطلاق وأهميتهما في الحياة الاجتماعية في المجتمع، أما بالنسبة للحلول فقال: توفير فرص العمل للزوج العاطل عن العمل ليتسنى له توفير المستلزمات الضرورية في الحياة الزوجية، كذلك توفير السكن المستقل ان أمكن ذلك.

لنا كلمة

بعد هذه الجولة الاستطلاعية في أروقة المحاكم الشرعية في محافظة كربلاء المقدسة للبحث واستطلاع آراء المختصين في موضوع الطلاق الذي استفحل في الآونة الأخيرة، عرفنا أهم أسباب وقوع الطلاق وتزايدها، وقد وجدنا أن الحلول للحد من حدوث الطلاق بهذه الكثرة هي ليست صعبة وتقع على عاتق الحكومة بالدرجة الأولى لأنه يجب عليها توفير فرص العمل وتوظيف العاطلين عن العمل من الخريجين وغيرهم وكذلك توفير السكن على أساس أننا نعيش في بلد يقف على طبقات الخير الوفير، والحل الآخر يعود للحوزات الشريفة لتؤكد على الوعي في هذا الجانب الشرعي المهم، ثم يأتي دور الأسرة لتأخذ دورها بشكل ايجابي ودقيق في اختيار الزوجة المناسبة لأبنها على أن يقوم هذا الاختيار على التوافق في أمور كثيرة أهمها المستوى الثقافي والعلمي والديني وهذا يخلق حالة من التفاهم بين الزوجين يبعد عنهما شبح الطلاق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1