في ظل سيادة العولمة واستمرارها والثورة المعلوماتية التي تعد احد العوامل المساهمة في انتشار العولمة بشكل أسرع مما لو كانت تسير بالشكل الطبيعي، حيث ساعدت الثورة المعلوماتية في تقارب العالم ما بين الدول من ناحية والأفراد من ناحية أخرى، وفي شتى مجالات الحياة ان كانت اقتصادية او سياسية او اجتماعية او ثقافية او غيرها، ومادام ان مسير العولمة متجه نحو الأمام ولا يمكن إيقافه، لذا ينبغي على الدول النامية -من بينها العراق- السير في ركبه لكن بما يتوافق مع مصالحها، وان الحكومة الالكترونية احد العوامل التي تساهم في اندماج الاقتصاد الوطني بالعالم المعولم.

ان الحكومة الالكترونية ناتجة عن الثورة المعلوماتية التي ساهمت في انتشار العولمة، وان اغلب الدول المتقدمة قامت بتطبيق الحكومة الالكترونية بل وحتى بعض الدول النامية ومنها العربية وغيرها، ومن اجل مسايرة ما وصلت اليه الدول المتقدمة والنامية والعربية، التي بالتأكيد ترى- تلك الدول وخصوصاً المتقدمة- ان لتطبيق الحكومة الالكترونية فوائد كثيرة لأنها لو لم ترى فيها فائدة لتخلت عنها، وسيسلك العالم طريقه في التخلي عنها أيضاً، وما يؤكد على هذا، استطلاع الأمم المتحدة حول الحكومة الالكترونية لعام 2016 بعنوان "الحكومة الالكترونية لدعم التنمية المستدامة" حيث أشار إلى ان "هناك اتجاه عالمي ايجابي نحو مستويات أعلى من تنمية الحكومة الالكترونية، إذ إن جميع المناطق تحتضن بشكل متزايد الابتكار والاستفادة من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة".

ولذا فهي تحتل مكانة مهمة في الحياة وعلى الدول التي لم تتبنى الحكومة الالكترونية فضلا عن عدم تطبيقها، وحتى التي تبنتها بشكل شكلي وليس حقيقي، ومن بينها العراق، ان تسعى اولا لمعرفة ماهية الحكومة الالكترونية ثم إدراك مدى أهميتها عند تطبيقها حتى يتولد لها الشعور الحقيقي بأهمية تطبيقها وجني ثمارها مع وضع الخطط الكفيلة برصد الآثار السلبية التي يمكن ان تظهر وذلك لمعالجتها بالشكل المناسب.

هناك تعاريف متعددة لمفهوم الحكومة الالكترونية، لكن سنقتصر على تعريفين، حيث تعرف الأمم المتحدة الحكومة الالكترونية على انها "استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مثل شبكة ربط الاتصالات الخارجية، مواقع الانترنيت، ونظم الحاسب الآلي بواسطة الجهات الحكومية". وتعرفها الباحثة مريم خالص حسين في بحثها الموسوم بـ"الحكومة الالكترونية" على انها " عملية تغيير وتحويل العلاقات بين المؤسسات والمواطنين من خلال تكنولوجيا المعلومات، بهدف تقديم الأفضل للمواطنين وتمكينهم من الوصول للمعلومات، مما يوفر مزيد من الشفافية وتحجيم الفساد وتعظيم العائد وتخفيض النفقات".

بعض خصائص الحكومة الالكترونية

وتتميز الحكومة الالكترونية بالعديد من الخصائص لكن سنقتصر على بعضها وكما يأتي:

1- تجميع كافة الأنشطة والخدمات المعلوماتية في موضوع واحد وهذا هو موقع الحكومة الرسمي على الانترنيت.

2- السرعة والدقة والانجاز في الأداء بين الدوائر الرسمية (الحكومية) من ناحية ولكل دائرة على انفراد من ناحية أخرى.

3- اتصال دائم بالمواطن.

4- تامين كافة الاحتياجات الاستعلامية والخدمية للمواطنين في دون الذهاب إلى مواقع الدائرة.

5- تقليل الاعتماد على العمل الورقي.

6- الشفافية في العمل.

7- إذابة الحدود الجغرافية وتلك المتعلقة بالسكان.

وعلى ضوء هذه الخصائص تتبين أهمية الحكومة الالكترونية من توفير المعلومات عن اغلب مجالات الحياة من إدارية وتجارية واقتصادية وسياسية وغيرها، والسرعة في الوصول الى تلك المعلومات مع تخفيض التكاليف التي تبذل في ظل الحكومة التقليدية، كما تؤدي عند تطبيقها إلى مزيد من الشفافية وتحجيم الفساد وخصوصا المالي والإداري الذي يحصل في ظل سيادة البيروقراطية وكثرة الإجراءات المعرقلة لإنجاز المعاملات بكافة أنواعها وأشكالها.

كذلك تؤدي الى تسهيل التعامل ما بين القطاعين العام والخاص وذلك بما يخدم مصلحة الاقتصاد الوطني، وتحسين عملية التعامل التجاري والذي يطلق عليه في ظل الحكومة الالكترونية بـ"التجارة الالكترونية" ما بين الاقتصاد المحلي والاقتصاد الدولي.

كما تزيد من فاعلية التسوق والتسويق الالكترونيين من قبل الجمهور والدولة معاً، وذلك من خلال الحصول على السلع والخدمات دون الذهاب إلى موقعها، وكما هو الحال في الدول المتقدمة، حيث يستطيع الفرد او الحكومة في هذه الدول(المتقدمة) ان يتسوق عبر الانترنيت من أي بلد شاء تتوفر فيه الحكومة الالكترونية وتوابعه (التسوق والتسويق الالكترونيين). هذا ما يشجع على التصدير عن طريق الترويج والتسويق الالكترونيين، ومن ثم زيادة الطلب على المنتجات المحلية وفتح مصانع جديدة والتقليل من البطالة وزيادة إيرادات الدولة فينتعش الاقتصاد.

وفي ظل سيادة العولمة واستمرارها والتي لا يمكن إيقافها، وكذلك زيادة وعي الجماهير واستخدامهم لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، هذا ما يحتم على الدولة أن تقوم بتطبيق الحكومة الالكترونية حتى يحصل نوع من التوازن في التقدم الاجتماعي والحكومي الإداري، إذ ان عدم تطبيق الحكومة الالكترونية مع تقدم المجتمع في هذا المجال، هذا ما يثبت ابتعاد الحكومة عن الشعب وعدم قدرتها على التناغم مع تقدم المجتمع، ومن ثم الحكم على إنها إدارة فاشلة لا تستطيع أن تحدث نفسها مع مجريات وتطورات المجتمع.

الإشارة إلى بعض الدول في هذا المجال

ونتيجة لإدراك ما يمكن ان تقع فيه الحكومات، واستجابة لتطورات المجتمع في المجال الالكتروني، وسعياً لتطويره وتحقيق رفاهيته حتى تبقى الحكومات في مواقعها، لجأت بعض حكومات بعض دول المنطقة إلى تطبيق الحكومة الالكترونية، واحتلت مراتب متقدمة، ومن أبرزها مثلاً، البحرين والإمارات والكويت والسعودية وقطر، حسب ما أشار إليه تقرير الأمم المتحدة الخاص بدراسة الحكومة الالكترونية والذي يتضمن 193دولة لعام 2016، ويعتمد على مؤشر تطوير الحكومة الالكترونية والذي يتم بناءه على ثلاث مؤشرات الأول: مؤشر خدمة الانترنيت. ثانياً: مؤشر البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية. ثالثاً: مؤشر رأس المال البشري.

حيث تقع الدول المشار إليها أعلاه ضمن المراكز الخمسين الأولى على مستوى العالم، فتحتل البحرين المرتبة 24، والإمارات 29، والكويت 40، والسعودية 44، وقطر 48، في عام 2016، علماً ان هذا التقرير يصدر كل سنتين مرة واحدة. وتتراوح النسبة المئوية لمستخدمي الانترنيت في هذه الدول من 70-86% من مجموع السكان، لاسيما وان استعمال الانترنيت يعبر عن ثلاث قضايا مهمة، الأمية ومدى توفر الانترنيت والدخل.

أما بالنسبة للعراق، فقد تبنت الحكومة الحالية ضمن برنامجها الحكومي 2014-2018 تطبيق الحكومة الالكترونية لرفع الكفاءة والإنتاجية وإنهاء الفساد، وعلى الرغم من وجود الحكومة الالكترونية في العراق على شبكة الانترنيت حيث تُسمى "حكومة المواطن الالكترونية" والتي يمكن من خلالها تقديم الطلبات إلى 52 جهة رسمية من وزارات ومحافظات وجهات أخرى، إلا إنها لا تزال غير فعّالة بشكل حقيقي حيث يمكن الاطلاع على المعلومات والإجراءات مع إمكانية تنزيل الاستمارات المطلوبة لإنجاز المعاملات، من دون انجاز المعاملات عن طريقها، أي إنها لم تعمل كما هو الحال في البلدان المتقدمة وبعض دول المنطقة المشار إليها أعلاه، وما يؤكد محدودية دور الحكومة الالكترونية في العراق هو احتلاله المرتبة 141 ضمن مؤشر تطوير الحكومة الالكترونية التابع للأمم المتحدة. كما ان النسبة المئوية لمستخدمي الانترنيت في العراق تتراوح ما بين 20-25%، وهذا ما يدلل على ارتفاع حجم الأمية وعدم تغطية كل مناطق العراق بشبكة الانترنيت وانخفاض متوسط دخل الفرد.

أهم التحديات والحلول

ويمكن توضيح أهم التحديات التي تقف عائقاً أمام تطور تطبيق الحكومة الالكترونية في العراق وهي:

اولاً: ضعف مؤشر خدمة الانترنيت، إذ ان ضعف نوعية وخدمة الانترنيت في المناطق المتاحة فضلاً عن عدم تغطيتها لكافة مناطق العراق، لا تؤدي إلى صعوبة تطوير تطبيق الحكومة الالكترونية والوصول بها إلى مراتب متقدمة فحسب بل تؤدي إلى عدم إمكانية تطبيقها، والحل لهذه النقطة هو العمل على توفير خدمة الانترنيت على مستوى التغطية لكافة المناطق من ناحية والعمل تحسين نوعيتها من ناحية أخرى.

ثانياً: عدم كفاية البنى التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية، المتمثلة بمراكز البيانات وأجهزة وشبكات الحاسوب وأجهزة إدارة قواعد البيانات، وكل الأجهزة المادية المستخدمة لربط أجهزة الحاسوب والمستخدمين. وتشمل أيضا وسائط النقل، بما في ذلك خطوط الهاتف وخطوط البث التلفزيوني عبر الكابلات والأقمار الصناعية وغيرها. والحل يكمن في توفير البنى التحتية كمياً ونوعياً مع تحقيق التغطية لكافة المناطق من مدن وأرياف.

ثالثاُ: ضعف رأس المال البشري، إذ يعتمد هذا المؤشر على قضية التعليم، من حيث الأمية ومعدل الإلمام بالقراءة والكتابة والنسبة الإجمالية للالتحاق بالتعليم، فكلما يضعف رأس المال البشري كنتيجة لانخفاض نوعية التعليم، كلما يؤدي إلى سوء تطبيق الحكومة الالكترونية بسبب عدم وجودة المعرفة والمهارات المناسبة لتطبيقها والتعامل معها، فالحل لهذه النقطة يكمن في إيلاء مزيد من الاهتمام بقطاع التعليم من خلال زيادة الاستثمار الموجهة نحوه، خصوصاً إذا ما علمنا انخفاض الإنفاق العام وخصوصاً الاستثماري نحو التربية والتعليم، إذ يشكل 0.5% و3.4% من إجمالي الإنفاق على التربية والتعليم على التوالي في عام 2016.

رابعاً: تحديات تشريعية متمثلة بغياب القوانين الخاصة بتطبيق الحكومة الالكترونية على كافة المستويات وزارات ومحافظات وجهات مستقلة وغيرها، والحل هو إيجاد قانون خاص يفرُض على جميع المؤسسات الحكومة من وزارات ومحافظات وكل تقسيماتها الإدارية وغيرها، العمل عبر بواباتها الالكترونية وان كل من يخالف هذا القانون عليه ان يتحمل التبعات القانونية.

إن عدم تطبيق الحكومة الالكترونية بشكل حقيقي على ارض الواقع يكمن في التحديات المذكورة أعلاه، وان العمل على تطبيق الحكومة بشكل حقيقي يقتضي معالجة تلك التحديات من خلال تطوير كل المؤشرات التي تكوّن مؤشر تطوير الحكومة الالكترونية. لكن هذا يستلزم تضافر الجهود من حكومة وقطاع خاص ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية سواء بالدعم الفني أو المادي أو المالي، إذ إن هذا التضافر سيزيد من سرعة التطبيق وتلافي الأخطاء.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0