في مطلع نيسان الماضي، استحوذ الملياردير المثير للجدل، إيلون ماسك، على حصّة 9% من «تويتر». ولم يلبث بعدها أن عرض شراء الشركة بكلفة إجمالية قُدِّرت بـ44 مليار دولار، وتحدَّث عن خطط ومشاريع يرغب في تطويرها داخل منصة التواصل تبدأ من طريقة الرقابة على المحتوى، وصولاً إلى دمج «تويتر» بعالم العملات الرقمية. وانقسم «شعب الإنترنت» بين مؤيّد لهذه الخطوة ومعارضٍ لها، فيما حُبست الأنفاس في انتظار إتمام الصفقة، إلى أن أعلن ماسك، أخيراً، انسحابه منها، بعد أخذٍ ورد وسخرية بين الطرفين ضجّت بها وسائل التواصل الاجتماعي.

يوم الجمعة الماضي، أعلن الملياردير الجنوب أفريقي أنه ألغى الصفقة. ويمكن تجزئة حجّته إلى ما يأتي: أوّلاً، قال إن «تويتر» تقاعست عن تقديم معلومات حقيقية حول نسبة الحسابات الوهميّة والبريد العشوائي على منصتها؛ ثانياً، إن المنصّة لم تقدِّم عدد الحسابات الوهميّة في إفصاحاتها للرقابة المالية الأميركية؛ وثالثاً، إن الشركة خرقت الاتفاق بعدما أحجمت عن التشاور معه لدى اتخاذها قراراً قضى، أخيراً، بطرد كبار الموظفين، وتجميد التوظيفات، لتخالف بذلك التزامها (مع ماسك) بموجب الاتفاق، مواصلةَ العمل بشكل طبيعي. وسارعت «تويتر» إلى الردّ في كتاب أرسلته إلى إيلون ماسك، الإثنين، اعتبرت فيه أنّ انسحابه من الصفقة يُعدّ قراراً «لاغياً وغير مبرّر»، مؤكّدة أنّها التزمت، من جانبها، بكلّ ما نصّ عليه الاتّفاق المبرم بين الطرفين في نيسان. ولفتت أيضاً إلى أنّها زوّدت ماسك بكلّ البيانات التي طلبها منها، والمتعلّقة بعدد الحسابات المزيّفة، مشدّدة على أنّ عددها هو أقلّ من 5% من إجمالي الحسابات المسجّلة على المنصّة (يقول ماسك إن العدد أكبر من ذلك بكثير).

وبناءً على ما تقدَّم، بات الطرفان أمام معركة قضائية ستدفع ثمنها الجهة الخاسرة، فيما حذّرت وكالة «إس إند بي» للتصنيف الائتماني، من أنّه بصرف النظر عن مآل هذه المعركة، فإنّ من شأنها أن «تزيد من حالة عدم اليقين والمخاطر على سُمعة تويتر».

وعلى جري عادته، ردّ ماسك على الشركة من حسابه على المنصة، عبر نشر مجموعة «ميمز» (MEMES)، قال فيها ساخراً: «قالوا إنّه ليس في إمكاني شراء تويتر»، ثمّ «رفضوا الإفصاح عن البيانات المتعلّقة بالحسابات المزيّفة»، والآن «يريدون إجباري في المحكمة على شراء تويتر»، و«الآن، عليهم أن يكشفوا في المحكمة عن البيانات المتعلّقة بالحسابات المزيفة».

لكن بعيداً عن صخب الحدث وما ستؤول إليه «الصفقة»، تجدر الإشارة إلى أن «تويتر» ليست منصة عادية؛ في الواقع، تدور كل منصات التواصل الإجتماعي الموجودة اليوم - وهي بغالبيتها أميركية باستثناء «تيك توك» -، في فلك الحزب الديموقراطي، وهو ما تمظهر خصوصاً في عهد الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، الذي ما انفك يردّد أن عمالقة التكنولوجيا، جلّهم، يمنعون «سردية» الحزب الجمهوري من الانتشار رقميّاً، وأنهم يقمعون حسابات الأقطاب اليمينية عبر ما يعرف بالـ«Shadow Ban» (يبقى الحساب ظاهراً لكن يتم تقييد انتشار المحتوى). إزاء ذلك، «أُجبر» ترامب على إنشاء منصّته الخاصة للتواصل الاجتماعي «تروث سوشال» أخيراً. أما ماسك، فقد أعلن سابقاً وبشكل واضح، أنه يريد جعل «تويتر» في منطقة بين الحزبَين، وأن المنصّة لا يجب أن تفضّل جهة سياسية على أخرى، وأن تشجّع تالياً على المزيد من الانقسام في المجتمع الأميركي. كما أن الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» و«سبايس إكس»، بات أكثر صراحة في الآونة الأخيرة في ما يخصّ موقفه السياسي. فهو كتب تغريدات عديدة قال فيها إنه سينتخب رئيساً جمهورياً في عام 2024، متخلّياً بذلك عن هواه الديموقراطي السابق.

على أيّ حال، لا يمكن اعتبار صفقة «تويتر» مجرّد عملية شراء لمنصة تواصل. هو استحواذ على منصة من قِبَل ملياردير يقول إنه بات يشجّع الفريق الأحمر، وقبيل الانتخابات النصفية الأميركية. هي أيضاً عملية انزياح لإحدى أهمّ الأذرع الرقمية من ضفّة إلى أخرى. ومن هنا، قد تكون القضية مجرّد تحريك بيادق. حتى أن ترامب، وصف ماسك، أخيراً، خلال مهرجان له في ألاسكا، بأنه «مخادع»، وأنه كان يعلم أن الملياردير لن يشتري المنصة أبداً.

تجدر الإشارة إلى أن مشكلة إيلون ماسك مع الحزب الديموقراطي بدأت تظهر إلى السطح عندما امتنع الرئيس الحالي، جو بايدن، خلال لقاء له مع الشركات المنتجة للسيارات الكهربائية، عن دعوة أهم شركة أميركية في هذا المجال: «تسلا»، على خلفية كُره ماسك للحركات النقابية، في حين أن الجناح التقدّمي في الحزب الديمقراطي يعتبر نفسه محرّكاً لـ«الثورة النقابية» التي تحصل اليوم بين عمّال أميركا. وبهذا، يمكن القول إن ماسك يريد الانتقام من الإدارة الأميركية الحالية عبر صنْع تعقيدات واستمالة الرأي العام الأميركي، خصوصاً أن له أكثر من 100 مليون متابع على «تويتر»، وجزء كبير من هؤلاء يعتبرونه «المخلّص الموعود»، «إله العالم الرقمي الذي سيجعل البشرية عرقاً منتشراً بين الكواكب والنجوم».

في المحصلة، وقع الدمار بالفعل. أسهم «تويتر» المترنحة أصلاً، تلقّت ضربة قوية يوم الإثنين الماضي، إذ انخفضت بنسبة 11%، في حين أن ما كشفه ماسك، خلال الأسابيع الماضية، عن كيفية إدارة الشركة نفسها، خلّف أزمة ثقة بين «تويتر» وحَمَلَة الأسهم. وهي أزمة قد لا تخرج منها «تويتر» قبل سنوات عديدة.

اضف تعليق