إنها أول أزمة اقتصادية عالمية في ظل وجود العملات المشفّرة. والتي خُلقت في الأصل كي تكون منيعة أمام مثل هذه الظروف. لكن يبدو أن الرياح كانت أعتى مما توقّع القبطان المجهول، فيما المسافرون بدأوا رمي أنفسهم في محيط اليأس والذعر. التضخّم العالمي ورفع سعر الفائدة من قبل البنك الفيدرالي الأميركي فعلا فعلهما. فقد بدأت موجة سحب أموال من أسواق الكريبتو من أجل استثمارها بالدولار (والأمر نفسه يحصل في الأسواق المالية التقليدية). بالنتيجة، بدأت تجفّ سيولة كبرى منصات تداول العملات الرقمية، ما دفعها إلى تقييد سقوف السحب أو إيقافه لأيام عدة، كي تهدأ العاصفة ربما. إنه الـ«كابيتال كونترول».

اجتذبت خصائص «بتكوين» الشبيهة بالذهب، المستثمرين. وافتُتحت مناجم التعدين حول العالم بحثاً عن «الذهب الرقمي». لكنّ التراجع الحالي بنسبة 75% في سعر «بتكوين» من أعلى مستوى بلغته 69 ألف دولار في تشرين الثاني من العام الماضي، وتذبذبها حول سعر 20 ألف دولار خلال الأيام السابقة، يؤكد بلا شكّ، أنها ليست محصّنة ضدّ اقتصاد السوق، خصوصاً مع تبخّر 2.25 تريليون دولار من سوق العملات المشفّرة الكلّي، وهذا يشير إلى دمار واسع النطاق في هذه الصناعة.

تزامناً مع هذه الضبابية المالية، بدأت عمليات تقييد سقف السحوبات المالية من كبرى منصات تداول العملات الرقمية. في حين لجأت أخرى إلى إيقاف عمليات السحب أو إلى طرد نسبة من الموظفين. ففي السابع عشر من الحالي، قالت شركة «بابل فاينانس» (Babel Finance)، والتي تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها، إنها «تواجه ضغوط سيولة غير عادية» وسط انهيار قياسي في أسعار العملات المشفّرة، مستشهدة بنقص الأصول المتاحة بسهولة كأساس لقرارها بمنع المستخدمين من نقل الأموال من حساباتهم. ويأتي ذلك بعد خطوة مماثلة من قبل منصة إقراض العملات المشفّرة العملاقة «سلسيوس» (Celsius)، والتي أعلنت في وقت سابق، أنها ستمنع العملاء من سحب أو تحويل أموالهم، حيث تعرّضت مراكزها للتهديد عندما فقدت عملة «stETH» ربطها بعملة «ETH».

استجابة للسوق الهابطة (Bear Market)، أعلنت شركة «كوين فلكس» (CoinFLEX) لتداول العملات المشفّرة، الخميس الماضي، أنها ستوقف عمليات سحب الأموال من الحسابات التي على منصتها. وكتب مارك لامب، الرئيس التنفيذي في الشركة: «نظراً إلى ظروف السوق القاسية الأسبوع الماضي واستمرار حالة عدم اليقين التي تنطوي على ذلك، فإننا نعلن اليوم أننا نوقف جميع عمليات السحب مؤقّتاً». ووفقاً للبيان، سيتم استئناف عمليات السحب «في أقرب وقت ممكن» بمجرد أن تكون الشركة في «وضع أفضل». من دون تحديد موعد معيّن.

في السياق نفسه، خفّضت منصة التداول «فوياجر ديجتال» (Voyager Digital) حدود السحب اليومي إلى 10 آلاف دولار نزولاً من 25 ألف دولار بعد أنباء عن تعرّض صندوق التحوط المشفّر لدى شركة «ثري أروز كابيتال» إلى اهتزازات (أقرضت فوياجر المال لشركة ثري أروز كابيتال لكنّ الأخيرة قد لا تكون قادرة على سداد القرض). وانهارت أسعار أسهم «فوياجر» بأكثر من 60%. وهي منصّة تداول مشفّرة تتضمن تطبيقاً للهاتف المحمول وبطاقة خصم. يمكن للمستخدمين شراء وبيع أكثر من 100 عملة رقمية مختلفة عبر التطبيق.

كما خفّضت وكالة التصنيف الائتماني «مووديز» (Moody’s)، تصنيف عملاق منصات تداول العملات الرقمية داخل الولايات المتحدة الأميركية، «كوين بايز» (Coinbase)، في مجالين:

- خفض تصنيف «CFR»، وهو تصنيف تم تعيينه ليعكس رأي «مووديز» بشأن قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها المالية، من Ba2 إلى Ba3 والذي يُعتبر أقل من الدرجة غير الاستثمارية.

- السندات غير المضمونة هي نوع من الديون التي تمتلكها الشركة غير مدعومة بأية أصول، وفي حالة الإفلاس، يجب سدادها قبل أي أصول أخرى. خفّضت «مووديز» تصنيف «كوين بايز» في هذا الأمر من Ba1 إلى Ba2.

نموذج إيرادات «كوين بايز» بحسب «موديز» مرتبط بحجم التداول ونشاط المعاملات لكل مستخدم وأسعار الأصول المشفّرة بشكل عام، لذا أدّى التراجع الحادّ في أسعار العملات المشفّرة خلال الأشهر الماضية إلى تضاؤل نشاط تداول المستثمرين، ما أدى بدوره إلى ضعف الإيرادات والتدفق النقدي للشركة. واتخذت هذه المنصّة إجراءات إضافية من بينها صرف نحو 18% من موظفيها، «لكنّ ربحية كوين بايز تواجه تحديات في الأجواء الحالية» وفق «موديز».

اضف تعليق