إنَّ مشاركة البيانات على نطاق واسع، ولأغراض عديدة، في عالم متصل رقميًا، تعني أنَّ معلوماتنا الشخصية مفتوحة بشكل متزايد للهجوم وإساءة الاستخدام. فنحن في اتصالاتنا ومعاملاتنا عبر الإنترنت، نجازف بكشف تفاصيل حياتنا التي كانت خاصة بطبيعة الحال.

وهذا لا يشمل البيانات المالية التي يجب الحفاظ عليها آمنة فحسب، بل يشمل أيضًا المعلومات حول موقعنا، وأصدقائنا وعائلاتنا وشركائنا، ومعتقداتنا السياسية، ومشترياتنا، وحتى بياناتنا الصحية.

علاوة على ذلك، تقوم الدول في جميع أنحاء العالم بإنشاء أنظمة الهوية الرقمية التي تتصل بمعلوماتنا الحيوية، وبناء جسر من أنشطتنا الرقمية إلى حياتنا وهويتنا دون اتصال بالإنترنت، وعليه، فقد تصبح هذه الهوية الرقمية هدفا للاستغلال، سواء لأغراض تجارية أو سياسية.

لا شك أننا اليوم مضطرون للإعلان عن معلوماتنا الخاصة بإرادتنا تارة أو بالرغم عنا تارة أخرى، فالتطورات التكنولوجية تدفعنا لترتيب حياتنا بما فيها معلوماتنا الخاصة بما يلائم حالات التطور والتقدم التي نحن عليها، ولا مفر من ذلك إطلاقا. وهذا يعني أننا لم نعد بكل حال من الأحوال بمنأى عن تأثير التداول السلبي للمعلومات الإلكترونية. حيث يجري في كثير من الأحيان استعمال المعلومات الإلكترونية بالضد من مصلحة الناس، وبالضد من حرياتهم الشخصية، مما يؤدي إلى انتهاك حقوق وحريات الإنسان أو حياته الخاصة.

قد يفاجئ المرء أن بريده الإلكتروني، أو حسابه الإلكتروني على أحد قنوات التواصل الاجتماعي قد جرى خرقه من طرف أحد مجهول، وعٌطلت صفحته بالكامل، وجرى الاطلاع على معلوماته الخاصة التي ينبغي أن تكون سرية أو محدودة التداول، فيجري نشرها على الملا بقصد إيذاءه وتشويه صورته أمام محبيه وأصدقاءه.

وفي العادة؛ يجد المرء صعوبة بالغة في توضيح الحقائق وتفهيمها للآخرين، لاسيما أن الكثير من الناس يصدقون كل ما ينشر من معلومات عن الآخرين دون تدقيق، حتى لو كانت تلك المعلومات خلاف ما يعرفوه عن الضحية، وبالتحديد إذا كانت تلك المعلومات معززة بصور مفبركة أو حتى صور حقيقية هي من مختصات هذا الإنسان، ومن إسراره الشخصية.

وقد نجد شخصا ما أو مجموعة ما لها معرفة جيدة باستعمال الحاسوب والولوج إلى الإنترنيت، تقوم بتشويه صورة مجموعة من الناس، أو فرد من الأفراد قد يكون مواطنا معروفا في بلد، أو مواطنة لها مركزها الاجتماعي في بلدها، أو شخصا نشر بعض صوره أو صور أبناءه على مواقع التواصل الاجتماعي، فيجري تلفيق تلك الصور، وصناعة صور أخرى، تظهر هؤلاء بمظهر غير لائق اجتماعيا، أو تزرع قناعة جديدة عنه غير تلك القناعة التي عٌرف فيها، فيجري خلط الطالح بالصالح، والرديء بالجيد، فتلتبس الأمور على عامة الناس، ويخسر الكثير من الناس سمعتم أمام مواطنيهم وأسرهم.

وفي هذا السياق؛ فقد كثرت في هذا الأيام علميات النصب والاحتيال الإلكتروني التي تقودها عصابات إلكترونية متمرسة بحق عدد كبير من الشباب والشابات، إذ تعمل هذه العصابات على اختراق حسابات التواصل الاجتماعي خاصة الفيسبوك أو انستغرام، بالإضافة إلى اختراق الهواتف الذكية، والاستيلاء على الصور والفيديوهات، ومن ثم التهديد بها بهدف ابتزاز البنات -على وجه التحديد- بقصد الحصول على الأموال والعلاقات غير المشروعة من خلال نشر صور لهن غير لائقة، يمكن أن تسيء إلى سمعتهن، وإلى سمعة أسرتهن. فعلى سبيل المثال؛ فإن الشرطة العراقية -في الآونة الأخيرة- ألقت القبض على عشرات الشباب الذين كونوّا عصابات لاستهداف المراهقات، والاستيلاء على صورهن وابتزازهن مقابل دفع أموال، أو إقامة علاقات جنسية محرمة معهن.

كل تلك الأفعال الإجرامية الحديثة التي ترتكب باستخدام الحاسوب والشبكات والمعدات التقنية هي جرائم بحق الإنسان، وبحق حريته الشخصية، وتعريف تلك الجرائم باسم (الجرائم الإلكترونية) والجرائم الإلكترونية هي المخالفات التي ترتكب ضد الأفراد أو المجموعات من الأفراد بدافع الجريمة، وبقصد إيذاء سمعة الضحية أو إيذاءه ماديا وعقليا سواء مباشرة أو غير مباشر باستخدام شبكات الاتصالات.

وفي رأي ثان تعرف الجريمة الإلكترونية أنها كل سلوك غير قانوني مرتبط بأي شكل بالأجهزة الإلكترونية، يتسبب في حصول المجرم على فوائد مع تحميل الضحية خسارة، ودائماْ يكون هدف هذه الجرائم هو سرقة وقرصنة المعلومات الموجودة في الأجهزة، أو تهدف إلى ابتزاز الأشخاص بمعلوماتهم المخزنة على أجهزتهم المسروقة.

وفي هذا الإطار تنوع أعمار منفذي الجرائم الإلكترونية مع اختلاف دوافعهم، فهناك الأطفال والمراهقون الذين تكون في الغالب دوافعهم لمجرد التسلية غير مدركين حجم الأضرار التي يقومون بها، وهناك المحترفون والمختصون والإرهابيون الذين من الممكن أن تحطم أعمالهم شركات ضخمة، وتضر بدول كبيرة، كما هي تماما تسيء إلى سمعة الأفراد، وتلحق بهم خسارة مادية ومعنوية على حد سواء.

ومن صور الجرائم الإلكتروني هي تخريب المعلومات وإساءة استخدامها، وسرقة المعلومات وبيعها، وتزوير المعلومات وتزيفها، وانتهاك الخصوصية مثل (نشر معلومات ذات طبيعة خاصة عن الأفراد، أو الدخول لحسابات الأفراد الإلكترونية ونشر معلومات عنهم أو وضع معلومات تخص تاريخ الأفراد ونشرها، والتصنت والتجسس والتشهير والقنابل البريدية)، وتشمل (إرسال فيروسات لتدمير البيانات من خلال رسالة إلكترونية) والمطاردة والملاحقة والابتزاز وتشمل (ملاحقة الذكور للإناث أو العكس والتتبع بقصد فرض إقامة علاقة ما وذلك من خلال استخدام البريد الإلكتروني وإرسال الرسائل).

وتستهدف الجريمة إلكترونية الأفراد، ويُطلق عليها أيضاً مسمى (جرائم الإنترنت الشخصية) والتي تقتضي على الحصول بطريقة غير شرعية على هوية الأفراد الإلكترونية كالبريد الإلكتروني وكلمة السر الخاصة بهم، وكما تمتد لتصل إلى انتحال الشخصية الإلكترونية وسحب الصور والملفات المهمة من جهاز الضحية لتهديده بها وإخضاعه للأوامر، كما تُعتبر سرقة الاشتراك أيضاً من الجرائم ضد الأفراد.

كما تستهدف الجريمة إلكترونية الجهات الحكوميّة والمؤسسات الخاصة، فيٌطلق عليها اسم (جرائم الإنترنيت العامة) من خلال هجمات يشنّها القراصنة على المواقع الرسميّة الحكومية وأنظمة شبكاتها، والتي تركز جل اهتمامها على القضاء على البنية التحتيّة للموقع أو النظام الشبكي وتدميره بالكامل، ومثل هذه الهجمات في الغالب يكون الهدف منها سياسيّاً.

وعليه، فالجريمة الإلكترونية هي جريمة تقع على المؤسسات أو الأفراد مستخدمي أجهزة الحاسب الآلي أو أجهزة الهواتف الذكية، وهي بلا شك سلوك لا أخلاقي، وغير مصرح به، وينكره القانون ويعاقب عليه، ويدينه الشرع، وينبذه المجتمع. وهي انتهاك صريح للخصوصية المعلوماتية المحمية قانونا، والتي هي حق الأفراد أو المجموعات أو المؤسسات أن يحددوا لأنفسهم، متى وكيف وأين يمكن للمعلومات الخاصة بهم أن تصل للآخرين.

وهي حق الفرد في أن يضبط عملية جمع المعلومات الشخصية عنه، وعملية معالجتها آلياً، وحفظها وتوزيعها واستخدامها في صنع القرار الخاص به أو المؤثر فيه، سواء وضعت هذه المعلومات ببنوك المعلومات، أم وضعت على البريد الإلكتروني، الذي يعد خطا مفتوحاً على أنحاء العالم كلّه إذ يستطيع الفرد من خلاله إرسال وتلقي البريد الإلكتروني، أو حتى تم وضعها على شبكات التواصل الاجتماعية مثل (Facebook) وهو الموقع الأكثر انتشاراً على الصعيد العالمي.

إذ من المؤكد أضحى الاعتماد الأفراد والمجموعات والمؤسسات والحكومات على الوسائط الإلكترونية الحديثة، وأهمها خطوط الاتصالات وشبكات الإنترنيت، قد أدى إلى ظهر نوع جديد من التعديات على حقوق الفرد والمجتمع، وهو ما يسمى بخرق الحق في الخصوصية المعلوماتية. ويعد الحق في الخصوصية من الحقوق الدستورية الأساسية الملازمة للشخص الطبيعي، وتعود فكرة حماية الحياة الخاصة إلى أمدٍ بعيدٍ، وعلى وجه الخصوص الشرائع السماوية التي كفلت حماية حرمة الحياة الخاصة للإنسان، على نحو يوجب صيانتها ويحظر انتهاكها.

ونصت المواثيق الدولية على حماية الحياة الخاصة، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (12) منه التي ركزت على عدم جواز التدخل التعسفي في حياة الشخص الخاصة، أو عائلته، أو مسكنه، أو مراسلاته، أو لحملات على شرفه وسمعته. كما تحفظ هذه المادة الحق لكل شخص في الحماية القانونية من مثل هذه التدخلات أو تلك الحملات...

ومما تقدم نستخلص أن الجريمة الإلكترونية تشكل مصدر خطر للأفراد والمجموعات والمؤسسات والحكومات على حد سواء، وهي انتهاك لحق الخصوصية، لاسيما حق الشخص في عدم استعمال بياناته ومعلوماته الشخصية أو نشرها بطريقة تسيء إليه أو إلى أحد أفراد أسرته، ولما كانت كذلك فان من المهم الحد من هذه الجريمة من خلال الوسائل الآتية:

1. ينبغي تجريم كل فعل إلكتروني يؤدي إلى انتهاك الحق في الخصوصية من خلال تعديل العديد من القوانين والأنظمة والقرارات الوطنية للدول التي لم تصدر بعد قانون تجريم الأفعال الإلكترونية التي تشكل انتهاكا صريحة للحرية الشخصية، ويمكن الاستفادة من الدول المتقدمة التي سبقت في هذا الشأن. والإسراع في الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة الجرائم الإلكترونية.

2. ينبغي للأفراد والمجموعات والمؤسسات والحكومات أخذ الحذر والحيطة الدائمين في تداول معلوماتهم الشخصية والمالية والسياسية، من خلال وضع أنظمة وبرامج إلكترونيه قادرة على حماية تلك المعلومات من هجمات المجرمين والقراصنة. واستخدام أنظمة من شأنها الكشف عن كافة الاختراقات، مع أهمية التركيز على وضع حلول للثغرات الأمنية.

3. ينبغي الاعتماد على أساليب وتقنيات متطوّرة للتمكن من الكشف عن هوية مرتكب الجريمة الإلكترونية والاستدلال عليه بأقل وقت ممكن، ومحاكمته ومعاقبته على تلك الأفعال الإجرامية بما يؤدي إلى ردع المجرمين الآخرين.

4. ينبغي زيادة فعاليات الوعي الإلكتروني الاجتماعي للمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني لتقليل الحالات التي يمكن أن تقع ضحية الجرائم الإلكترونية من خلال إرشادات محددة تبين الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها المواطنون لاسيما الشباب والشابات في حال نشر معلومات خاصة أو صور خاصة على الإنترنيت أو الحاسوب أو الموبايل، وبيان الآليات التي ينبغي اللجوء إليها في حال جرى سرقة تلك البيانات واستعمالها ضده، والمسارعة في إبلاغ الجهات الأمنية فور التعرض لجريمة إلكترونية.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7