في مثل هذا اليوم من عام 2013، دخلت تارين كوفمان شقة صديقها آرون شوارتز في مدينة بروكلين الأميركية، لتجده جثةً هامدة تتدلّى من حبل المشنقة، انتحر شوارتز، عن عمر 26 سنة، دون أن يترك خلفه أيّ رسالة يفسّر من خلالها الأسباب التي دفعته إلى إنهاء حياته، لكن هدوء الغرفة الشاهدة على موت الشاب المُبدع لم يدُم طويلاً.

في حياته، غيّر شوارتز وجه الإنترنت، مانعاً سيطرة وجه إمبراطورية الجشع على الشبكة. أما في موته، فقد كشف وجه الإمبراطورية الدموي، انتحار شوارتز لم يكن خلفه سوى الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة الأميركية.

العالم كله مدين لآرون شوارتز

لم يكن شوارتز مبرمجاً عادياً. يمكن القول إنّ مستخدمي الإنترنت حول العالم مدينون له إلى الأبد. وما نعتبره اليوم كأمور بديهية على الشبكة، لم تأت من فراغ، بل، من صُراخ مبرمجٍ دافع عن حقوق المستخدمين حتى الموت.

شارك شوارتز في تأسيس مشروع «RSS»، حيث وضع مفهوماً جديداً في مجال الصحافة ونشر المعلومات، كما شارك في تأسيس موقع التواصل الاجتماعي «REDDIT»، الذي كان من أشهر مواقع التواصل، قبل صعود نجم فايسبوك، حتى إن الرئيس السابق للولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما استخدم المنصة للوصول إلى خمسة ملايين ناخب أميركي عليها، معظمهم من الشباب.

كما أسّس ما يُعرف بـ«Creative Commons» (أو المشاع الإبداعي)، وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى توسيع مجال الأعمال الإبداعية المتاحة للناس لاستخدامها والبناء عليها على نحو يتوافق مع متطلبات حقوق الملكية الفكرية.

كان شوارتز من أشدّ المدافعين عن حرية الوصول إلى المعلومات والمواد المفتوحة المصدر، فتصدّر التظاهرات المندّدة بالقوانين التي حاولت الحكومة الأميركية إمرارها لفرض ضوابط على مستخدمي الإنترنت حول العالم، وهنا، جاءت أولى مواجهات شوارتز مع الحكومة الأميركية.

حادثة MIT

حتى هذه اللحظة، وعلى الرغم من الضجيج الذي بدأ يثيره شوارتز، إلا أنه لم يكن على رادار الـ FBI، في الـ 25 من شهر أيلول عام 2010، بدأت المكتبة الإلكترونية JSTORE وهي من ضمن الشبكة الداخلية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بإرسال آلاف الوثائق والأبحاث بالدقيقة الواحدة، عبر IP رقم 18.55.6.215، فما كان من المعهد إلا أن أوقف هذا الـ IP، ثم بدأ IP آخر من الشبكة نفسها بإرسال الأبحاث مجدداً، فما كان من إدارة المعهد إلا أن أوقفت العمل بالجدار الناري (Firewall) الخاص بأمن الشبكة، وأوقفت معه خدمة المكتبة الإلكترونية.

اعتبر شوارتز أنّ المعرفة التي يتم إنتاجها في الجامعات الحكومية والتي تموّلها الحكومة الأميركية وطلاب الدراسات العليا لا يتم نشرها مجاناً للجمهور. بدلاً من ذلك، كانت حقوق الطبع والنشر لا تمنح مزايا للمؤلفين، ولكن يتمّ خصخصتها وحصرها من قبل شركات هادفة للربح لم تستثمر فيها أساساً!.

وقد كسبت هذه الشركات مليارات الدولارات الأميركية سنوياً، إذ إنّ هذه المنشورات أُعيد تجميعها في قواعد البيانات الأكاديمية بحيث تدفع مكتبات الجامعات آلاف الدولارات للاشتراك فيها حتى يتمكن طلابها من الوصول إلى المحتوى.

لم يتحمّل شوارتز الأمر، وكان هو من حاول قرصنة الشبكة الداخلية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لتحميل الأبحاث من مكتبة JSTOR، ووضعها على موقع قام بتصميمه ليتم تحميل المواد دون الخوف من حقوق الملكية الفكرية، ما يعرف بالمشاع.

بعد تشديد الحماية في المعهد، قرر شوارتز تحميل المعلومات بأي شكل، وهنا، الأمور على وشك أن تشتعل. ذهب شوارتز إلى غرفة الخوادم في المعهد، ثم أوصل حاسوبه المحمول على الشبكة الداخلية لتحميل الأبحاث والمعلومات، مستعيناً بأجهزة حفظ معلومات خارجية، كان يقوم بتبديلها كلما امتلأت. لكن ما لم يكن بالحسبان، أن إدارة المعهد عمدت الى زرع كاميرا داخل الغرفة. وبحسب محامي شوارتز، كان بإمكان إدارة المعهد أن توقف شوارتز عما يقوم به كأيّ طالب آخر «يتحدّى» قوانين المعهد، لكن من الواضح أنهم بتصويره كانوا يحاولون بناء قضية ضده في المحكمة.

يوم وقف أحرار الإنترنت في وجه المشرّعين الأميركيين

في الثامن عشر من شهر كانون الثاني عام 2012، اتّشح الإنترنت باللون الأسود. أصبحت المئات من المواقع الإلكترونية سوداء احتجاجاً على قانون وقف القرصنة على الإنترنت (SOPA) وقانون حماية الملكية الفكرية (PIPA). كانت القوانين ستنشئ «قائمة سوداء» بمواقع الويب الخاضعة للرقابة بناءً على اتهامات بانتهاك حقوق الطبع والنشر. كانت SOPA في طريقها إلى المرور بهدوء. لكن عندما اشتكى ملايين الأميركيين لأعضائهم في الكونغرس، سرعان ما تلاشى تأييد مشروع القانون.

اتهم آرون شوارتز هوليوود بالوقوف وراء القوانين، إذ حذّر من أن قانون SOPA لن يكون آخر مرة تحاول فيها هوليوود استخدام قانون حقوق النشر كذريعة لفرض الرقابة على الإنترنت.

بصمات شوارتز كانت أساس الانتصار. إذ عمل هو ومنظمته Demand Progress بشكل وثيق مع EFF لوقف SOPA. والمشاريع التي أسسها أو شارك بتأسيسها قبل ذلك بفترة طويلة، مثل RSS وRDF وCreative Commons، هيأت الأرضية التي بنى عليها مناهضو القوانين الجديدة قضيتهم. شغف شوارتز بالمصدر المفتوح للمعلومات حفز الملايين لينضمّوا الى القضية. كما ألهم لورنس ليسيج (أكاديمي ومحامٍ وناشط سياسي أميركي. وهو أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة هارفارد) لمحاربة الفساد في السياسة، ما أدى في نهاية المطاف إلى إشعال غضب البيت الأبيض، باختصار، كانت الحكومة ستتمكن من سجنك، إذا ما شاركت صديقك حسابك على نيتفلكس!.

شوارتز VS الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة الأميركية

في السادس من كانون الثاني عام 2011، تم اعتقال شوارتز بالقرب من حرم جامعة هارفارد من قبل شرطة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأحد عملاء الخدمة السرية بالولايات المتحدة. تم استدعاؤه إلى محكمة كامبريدج المحلية بتهمتين من الولاية، وهما: الاختراق والدخول بقصد ارتكاب جناية.

في 11 تموز عام 2011، وجّهت هيئة المحلفين الكبرى الفيدرالية قراراً بتهمة شوارتز بالاحتيال على الأسلاك (الشبكة الداخلية)، والاحتيال على الكمبيوتر، والحصول بشكل غير قانوني على معلومات من جهاز كمبيوتر محمي، وإتلاف جهاز كمبيوتر محمي بشكل متهور، في 17 تشرين الثاني عام 2011، تم اتهام شوارتز من قبل هيئة المحلفين في المحكمة العليا في مقاطعة ميدلسكس بتهمة الكسر والدخول مع النية للسرقة، والوصول غير المصرّح به إلى شبكة الكمبيوتر. في 16 كانون الأول عام 2011، قدم المدعون العامون إخطاراً بأنهم أسقطوا التهمتين الأصليتين؛ التهم المدرجة في 17 تشرين الثاني عام2011، أسقطت لائحة الاتهام في 8 آذار عام 2012، ليس رأفةً بشوارتز، بل للسماح بمحاكمة اتحادية يرأسها ستيفن ب. هيمان وبدعم من الأدلة التي قدمها عميل الخدمة السرية مايكل س. بيكيت للمضي قدماً دون عوائق، بمعنى آخر خنق شوارتز قضائياً بحيث يصعب عليه الانتصار في المحكمة.

في 12 سبتمبر 2012، قدّم المدعون الاتحاديون لائحة اتهام بديلة تضيف تسع تهم جنائية أخرى، ما زاد من عقوبة شوارتز الإجرامية القصوى إلى 50 عاماً من السجن ومليون دولار في الغرامات. خلال مفاوضات الإقرار مع محامي شوارتز، عرض المدّعون العامون التوصية بالسجن لمدة ستة أشهر في سجن ذي حراسة مشددة، إذا أقر شوارتز بأنه مذنب في 13 جريمة فيدرالية. رفض شوارتز ومحاميه الرئيسي هذه الصفقة، واختاروا بدلاً من ذلك المحاكمة التي كان سيجبر فيها المدعون العامون على تبرير ملاحقتهم لشوارتز.

اشتمل الادعاء الفيدرالي على ما وصفه العديد من النقاد (مثل مستشار دين نيكسون السابق في البيت الأبيض جون دين) بأنه «اتهام زائد» لـ 13 تهمة ومحاكمة «مفرطة في الغموض» على جرائم كمبيوتر مزعومة، رفعها المدعي العام الأميركي.

يقول إليوت بيترز محامي شوارتز: « لا أعلم ما دفع موكلي الى الانتحار، لكني أعتقد أن خوفه من السجن خمسين عاماً عبث برأسه وجعله مذعوراً». فيما يقول روبرت شوارتز والد آرون في مقابلة على قناة سي أن أن:« لقد قتلت الحكومة الأميركية ابني، نظام العدالة الأميركي فشل في حمايته».

يحاجج النقاد في ملف شوراتز القضائي، أن النظام القضائي بضغطٍ من جهات عليا في الحكومة الأميركية، مارس ضغوطاً نفسية وتهويلاً على شوارتز، ما دفعه إلى الانتحار، وخصوصاً بعد مساهمته الكبرى في إيقاف القوانين والتي إذا ما تم العمل بها يومها، كان أصحابها سيجنون مليارات الدولارات على ظهر حقوق المستخدمين حول العالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2