تواجه ديمقراطيات كثيرة أخطاراً متنوعة تطاول فكرها وكيفية ممارستها، على رغم قرون من وضع مداميكها، وخصوصاً بعد انهيار جدار برلين نهاية الثمانينات من القرن الماضي، ومعه تفكك المعسكر الاشتراكي وهذه أحداث أعلن منظرون ليبراليون عبرها "نهايات التاريخ"، وسيادة الديمقراطية الى الأبد لكن تطورات العقود الماضية أظهرت وهم الحلول النهائية للمعضلات البشرية، ومن ضمنها ان تكون الديمقراطية أحد الحلول الناجعة، لذا عاد البحث ينصب على الوسائل والطرق التي تجعل الممارسة الديمقراطية أفضل، ومعها تجاوز السلبيات الناجمة عن تطبيقها.

أن الديمقراطيات الليبرالية في جميع أنحاء العالم قد تكون عرضة لخطر الأفول، أن الديمقراطيات ليست آمنة كما قد يظن الناس، لدى علماء السياسة نظرية تسمى "تعزيز الديمقراطية"، التي تسلم أنه بمجرد أن تطور البلدان مؤسسات ديمقراطية، ومجتمعًا مدنيًا قوياً، ومستوى معيناً من الثروة، فستكون ديمقراطيتهم آمنة.

على مدى عقود، على ما يبدو أن الأحداث العالمية دعمت تلك الفكرة؛ إذ تشير بيانات من مؤسسة "فريدوم هاوس" وهي منظمة معنية بقياس معدل الديمقراطية والحرية في جميع أنحاء العالم إلى أن عدد البلدان المصنفة "حرة" ارتفع بشكل مطّرد منذ منتصف السبعينيات إلى أوائل العام 2000، فقد انتقلت العديد من بلدان أمريكا اللاتينية من الحكم العسكري إلى الديمقراطية بعد نهاية الحرب الباردة، وحذت الكثير من دول أوروبا الشرقية حذو تلك البلدان.

ويبدو أن الديمقراطيات الليبرالية في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا أكثر أماناً من أي وقت مضى، ولكن منذ عام 2005، فقد أظهر مؤشر فريدوم هاوس انحداراً في الحرية العالمية كل عام هل الشذوذ الإحصائي نتيجة لبعض الأحداث العشوائية في فترة قصيرة من الزمن نسبياً؟ أو أنها تشير إلى وجود نمط ذي دلالة؟

إذا كان دعم الديمقراطية يتداعى في حين كان معياران آخران في حالة نهوض، يشير الباحثون أن البلاد ستكون "متداعية" ووجدوا أن التداعي هو المعادلة السياسية لانخفاض درجة حرارة الجسم التي تصل قبل يوم من السقوط الكامل في الأنفلونزا، على سبيل المثال، تتمتع فنزويلا بأعلى الدرجات الممكنة في مقاييس فريدوم هاوس للحقوق السياسية والديمقراطية في الثمانينات ولكن لم تكن تلك الممارسات الديمقراطية عميقة الجذور وخلال تلك فترة الاستقرار الواضحة، سُجِلَت فنزويلا بالفعل كمتداعية على اختبار "مونك-فوا".

منذ ذلك الحين، تزعزعت الديمقراطية الفنزويلية بشكل كبير في عام 1992، حاول فصيل من الجيش الفنزويلي الموالي لـ"هوجو شافيز" الانقلاب على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً انتخب شافيز رئيسا في عام 1998 بعد موجة من التأييد الشعبي، وأصدر على الفور دستور جديداً عزز سلطته، وشنت حكومته حملة على المعارضة وسجنت المعارضين السياسيين ومزّقت اقتصاد البلاد عبر سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية سيئة التخطيط.

أجراس تحذيرية؟

الآن علامات تداعي الديمقراطية في الولايات المتحدة والعديد من الديمقراطيات الليبرالية الأخرى مماثلة لتلك الموجودة في فنزويلا قبل أزمتها، وينسحب الأمر على عديد من البلدان؛ بما في ذلك أستراليا وبريطانيا وهولندا ونيوزيلندا والسويد والولايات المتحدة، فقد انخفضت النسبة المئوية للأشخاص الذين يقولون أنه من "الضروري" العيش في الديمقراطية، وهي منخفضة خاصة بين الأجيال الشابة.

تأييد بدائل استبدادية آخذ في الارتفاع أيضاً واستناداً إلى بيانات من استطلاعات القيم العالمية والأوروبية، وجد الباحثون أن نسبة الأمريكيين الذين يقولون إن الحكم العسكري سيكون شيئًا "جيدًا" أو "جيد جدًا" ارتفع إلى 1 من كل 6 أمريكيين في عام 2014، مقارنة مع 1 من كل 16 في عام 1995، هذا الاتجاه قوي بشكل خاص بين الشباب.

على سبيل المثال، في ورقة نُشِرَت سابقًا، أحصى الباحثون أن 43% من الأمريكيين الأكبر سنًا يعتقدون أنه كان من غير الشرعي للجيش السيطرة؛ إذا كانت الحكومة غير كفؤ أو فاشلة في القيام بعملها، ولكن وافق 19٪ فقط من جيل الألفية وظهر نفس التقسيم بين الأجيال في أوروبا، حيث اعتقد 53% من كبار السن أن سيطرة الجيش على السلطة غير شرعية، في حين وافق 36٪ فقط من جيل الألفية.

ديمقراطيات في خطر

بعد الإلغاء المفاجئ لوضع الحكم الذاتي الخاص في ولاية جامو وكشمير، والذي يحميه الدستور، أصبحت الهند آخر دولة ديمقراطية كبرى تتخذ إجراءات ضد الأقليات من أجل شعبية سياسية قصيرة الأمد من الآن فصاعدا، ستخضع كشمير بشكل مباشر لإدارة الحكومة في نيودلهي، والقوميون الهندوس متحمسون لذلك وهكذا، أضحت الترتيبات الدستورية التي جرى الحفاظ عليها بعناية في حالة يرثى لها.

في نفس الوقت، تمسَّك رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بمغادرة الاتحاد الأوروبي مع أو بدون "مساندة داعمة" لحماية ترتيبات الحدود بين أيرلندا الشمالية الخاضعة للحكم البريطاني وجمهورية أيرلندا يتجاهل موقفه المتشدد مخاوف الناخبين الأيرلنديين بالكامل، فهو موجه لحشد قاعدته الإنجليزية المؤيدة للخروج البريطاني، حتى لو كان ذلك يعني تهديد السلام والازدهار الهش في أيرلندا.

وفي الديمقراطية الكبرى الأخرى، قَلَب الرئيس دونالد ترمب علاقة أميركا مع المكسيك وغيرها من دول أميركا الوسطى المجاورة رأسا على عقب، وحشد قاعدته من خلال شيطنة اللاتينيين بصورة متكررة ويدفع المجتمع اللاتيني في الولايات المتحدة الآن ثمنا باهظا جراء مثل هذا الخطاب، كما حدث في المذبحة التي وقعت في إل باسو، تكساس.

يعد تدمير إجراءات حماية مجتمعات الأقليات التي طال أمدها جزءا من اتجاه أوسع في الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم وهنا تبرز ثلاث سمات مثيرة للقلق أولا، يُعَرِّض السياسيون "ساحة الرأي العام" للخطر، وكذلك قدرة المواطنين على طرح الحجج والتظاهر والنقاش دون تهديد بالعنف حيث يُعمق القادة السياسيون الانقسامات الاجتماعية عن طريق التحريض القائم على أساس "نحن" ضد "هم"، ويشمل ذلك الأجانب والجيران والمهاجرين والأقليات والصحافة و"الخبراء" و"النخبة".

بعد فوز القادة الجدد بالسلطة من خلال انتخابات ديمقراطية، يسعى كل منهم إلى إضعاف المؤسسات المستقلة والرقابة على السلطة التنفيذية على سبيل المثال، استعان ترمب بصلاحيات الطوارئ الوطنية لضمان تمويل جداره على الحدود الأميركية مع المكسيك ويرفض جونسون استبعاد تعليق البرلمان من أجل تحقيق الخروج البريطاني، في حين يصف مستشاره الرئيسي، دومينيك كامينجز، النظام البريطاني الدائم للخدمة المدنية بأنه مجرد "فكرة لكتب التاريخ" وفي الهند، اتهم أحد أعضاء حزب بهاراتيا جاناتا حكومة مودي بأنها "تفتك" بالمؤسسات الدستورية في الهند، بما في ذلك المحكمة العليا، ووكالة التحقيق الوطنية، والبنك المركزي، واللجنة الانتخابية.

ديمقراطيات نموذجية

تعد كل من الهند والمملكة المتحدة وأميركا ديمقراطيات "نموذجية" الهند هي الأكبر من حيث السكان، وبريطانيا لديها "نظام وستمنستر"، وأميركا لديها دستور استثنائي في كل من هذه الديمقراطيات الكبرى، تتعرض الأقليات للهجوم، وكذلك الاتفاقيات التي تقيد السلطة التنفيذية لذلك فإن المواطنين في هذه البلدان بحاجة إلى استيعاب حقيقة مفادها أنهم إذا لم يدافعوا عن المؤسسات التي تحمي الأقليات اليوم، ربما يتعرضون هم أنفسهم للهجوم غدا.

"السوشيال ميديا" خطر يهدد ديمقراطيات العالم

بعد أن كانت منصات عملاقة لحرية التعبير عن الرأى والفكر، باتت تهديدًا صريحًا للديمقراطيات حول العالم، فقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعى "السوشيال ميديا" وشركات الإنترنت العملاقة لخطر حقيقى بسبب مليارات "المعلومات المزيفة" المتدفقة عبر تلك الوسائل دون رقيب ولا حسيب، حتى وصلت لدرجة التأثير على مجريات أحداث عالمية، كما حدث فى الانتخابات الأمريكية الأخيرة وفضيحة "التدخلات الروسية".

وظل المعتقد السائد خلال العقد الماضى، أن شبكات التواصل الاجتماعية تنقذ السياسة، وتعزز الديمقراطية، وتنشر الفكر والفكر الآخر، وأن حرية تداول المعلومات تصب فى المصلحة العامة للشعب والدولة، لكن الواقع حسب تقرير إسبانى لصحيفة "الموندو" أصبح مختلف فى عالم ما بعد انتخاب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب.

وأن الإنترنت أصبح يفرض قانون المستقبل، وبات عبارة عن "إقليم بدون قانون"، مشيرًا إلى أن العديد من الحكومات الأوروبية وغيرها بات لديهم مخاوف مقلقة من انتشار وسائل التواصل الاجتماعى بهذا الحد، وذلك بسبب وصول ملايين المعلومات غير الحقيقية التى لا تخضع لأى رقابة للرأى العام بكل سهولة.

توالت الضربات المسددة لشركتى "فيس بوك" و"تويتر" مع الإعلان أن جهات روسية مولت رسائل ترويجية عبرهما خلال الحملة التى سبقت الانتخابات الرئاسية الأمريكية، رغم تأكيد المجموعتين المستمر حرصهما على حماية الديمقراطية، وبناء على تلك التهديدات من جانب شركات التواصل الاجتماعى العملاقة، أوقف الرئيس الروسى فلاديمير بوتين عددا من وسائل التواصل فى روسيا، كما تمنع الصين بعضا منها وتحظرها بشكل تام، وتطلق وسائل تواصل خاصة بها، أما كوريا الشمالية فتمنعها منعا تاما، بالإضافة لمنع القنوات التلفزيونية الفضائية التى لا تخضع لرقابة حكومية، أما الولايات المتحدة، فهى المركز الذى تتجمع فيه معلومات وسائل التواصل والإنترنت كافة، لتكون إحدى أدواتها فى تمكين سيطرتها، ومد أجل هذه السيطرة أطول فترة ممكنة.

ومن ناحية آخرى، رأت صحيفة الإسبانية، أن فرض سياسات الدولة الأمنية على الإنترنت تسمح لأنظمة الحكم القمعية بفرض رقابة على الإعلام أو التجسس على مواطنيها بسهولة أكبر، وهناك أيضًا تهديد يتمثل فى زيادة المشاكل الأمنية التى يمكن أن يتسبب بها المجرمون، فقد شجع تركيب أجهزة مرتبطة بدائرة إلكترونية فى منازل المواطنين على وجود سيناريوهات مفزعة يتم فيها مراقبة الأجهزة الشخصية عن بعد.

ومن مؤكدة أن هناك هجوم عالمى ضد الديمقراطية عبر الإنترنت، وأصبح هناك محاولات لتقويض الثقة فى الديمقراطية أو التأثير على الناخبين للتصويت لصالح مرشحين مفضلين فى بعض دول العالم كالفلبين أو الهند أو فرنسا أو هولندا أو بريطانيا أو غيرها، حتى تحولت الديمقراطية للضحية الأولى للإنترنت.

الإنترنت تهدد الديمقراطية

الإنترنت يهدد الديمقراطية الليبرالية بنقلها البشرية إلى ما يمكن أن يُطلق عليه "مرحلة ما بعد الحقيقة" التي تسود فيها الاعتقادات الشخصية على حساب الحقائق، كما تنعدم فيها الثقة بنزاهة الانتخابات بسبب عدم الأمن المتأصل في تكنولوجيا شبكة الاتصالات.

هذا ما كتبه جون نوتون في صحيفة غارديان البريطانية اليوم، ذاكرا أن هناك مستويين لهذا التهديد: الأول يتعلق بمحتوى الرسالة السياسية التي ستصبح شيئا فشيئا تعتمد على ترويج الاعتقادات والرؤى الشخصية بدلا من الحقائق الموضوعية الصلبة، والمستوى الآخر هو التشكيك في نزاهة الانتخابات بسبب الانعدام المتأصل للأمن في شبكة الاتصالات.

وأوضح الكاتب أن صعود المرشح الجمهوري دونالد ترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يشيران إلى أن شبكة الإنترنت قد بدأ يظهر تأثيرها الكامل على الحياة السياسية للناس في كل المجتمعات.

وأشار إلى أنه إذا بدأ التشكيك في نزاهة الانتخابات فإن ذلك يعني أن اللعبة الديمقراطية قد انتهت، لافتا الانتباه إلى أن خبراء الأمن ظلوا يحذرون لسنوات من غياب مزمن للأمن في معدات الاقتراع الأميركية، وقال إن مكتب التحقيقات الفدرالي أصدر الشهر الماضي تحذيرا غير مسبوق للشعب الأميركي عقب قرصنة قاعدة بيانات الناخبين في ولايتي أريزونا وإلينويس من قبل قراصنة مجهولين حتى اليوم.

كما أشار الكاتب أيضا إلى تصريحات ترامب وتحذيراته بشأن عدم الثقة في نزاهة الانتخابات، قائلا إن من سخرية الأقدار أن يكون ترامب -وهو المستفيد الأكبر من التكنولوجيا الحديثة والإنترنت- هو الذي بدأ يشكك في نزاهة الانتخابات، بتأكيداته المستمرة بأنه لو انهزم فإن السبب سيكون التزوير من قبل هيلاري كلينتون والقائمين على حملتها. وقد صدقه في ذلك حوالي نصف عدد مؤيديه وفقا لاستطلاعات الرأي.

وأورد الكاتب -للتدليل على هشاشة وضع النزاهة- قضية القرصنة الروسية لموقع الحزب الديمقراطي الأميركي التي وصفها بـ"الجرأة الوقحة"، والتي أثارت قلقا غير مسبوق في الحملة الانتخابية الأميركية.

ودعا الكاتب القراء إلى التفكير في واقعة أن ترامب حث بوتين على قرصنة رسائل البريد الخاصة بكلينتون، قائلا إن ذلك يحدث في بلاد يُعتبر فيها "الأمن القومي" أمرا مقدسا.

وقال إن الولايات المتحدة لها تاريخ طويل في التدخل بانتخابات الدول الأخرى، وهذه هي المرة الأولى التي يجب عليها أن تفكر في احتمال أن دولة معادية لها ربما تتدخل في عملياتها الانتخابية.

ويعتقد الكاتب أن نجاح ترامب وبروزه يعود -ضمن عوامل أخرى- إلى إتقانه توظيف موقع تويتر الذي يحدد 140 حرفا فقط لرسائله، ويقول إن هذا الحجم من الرسائل هو الحجم المثالي لترويج الاعتقادات باعتبارها حقائق، "وهي كافية للغمز والتعريض بالخصوم" لجمهور يبدو أن مزاجه قد تطبّع مع الرسائل القصيرة، مضيفا أن "وقاحة" ترامب لم تُعاقب، بل اعتبرت دليلا على رغبته في تحدي النخب السياسية الجديرة بالازدراء.

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ الوثائقي)

............................
المصادر
- بروجيكت سنديكت
- ساسة بوست
- اليوم السابع
- SWI swissinfo.ch
- نون بوست
- صحيفة الحياة

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0