نيكولاس آجار

ويلينغتون- ان من الصعب هذه الايام ان يفكر المرء بأي وظائف ستكون متاحة لأبنائنا عندما يكبرون والاباء المذعورون يحاولون بشكل متزايد توقع ما هو التطور الرقمي الكبير الجديد وذلك حتى يعطوا اولادهم الأفضلية مقارنة بالبشر الاخرين والذين ستتعرض وظائفهم للاتمتة. إن المحاسبين وفنيي الاشعة محكومون بالفعل بفقدان وظائفهم ولكن من المؤكد ان المطورين الذين يعملون على تطوير السيارات بدون سائق أو اولئك الذين يضيفون خصائص جديدة للفايسبوك سوف يكونوا في مأمن، فهل هذا صحيح؟

عوضا عن التفكير بهذه الطريقة، يجب ان ننظر الى ظهور تقنيات رقمية فعالة جدا على انها فرصة لخلق أنواع جديدة من الوظائف والتي سترضي طبائعنا الاجتماعية. ان هذا النهج لن يحل مشكلة "نهاية العمل" فحسب، بل سيتعامل مع واحدة من اكبر مشاكل الحداثة وهي : الوحدة.

إن الناس المنعزلين اجتماعيا هم أكثر حزنا ومرضا مقارنة بأولئك الذين يتمتعون بروابط انسانية ذات معنى وأعدادهم في تزايد وطبقا لتعليق في صحيفة نيويورك تايمز سنة 2016 "منذ الثمانينات من القرن الماضي فإن نسبة البالغين الامريكيين الذين يشعرون بالوحدة قد تضاعفت من 20% الى 40%".

إن الاقتصاد الاجتماعي-الرقمي قادر على التعامل بشكل متزامن مع مشاكل الأتمتة والوحدة. إن الآلات ونظام الحلول الحسابية "الخوارزميات " تتحكم فعليا بالاقتصاد الرقمي ويجب على البشر ان يتقبلوا انهم لا يتمتعون بأي فرصة للتنافس معها فيما يتعلق بالفعالية والقوة الحسابية. يجب ان نتوقع –ونرحب– بوجود مستقبل تقوم فيه الآلات بقيادة طائرات الركاب وإجراء العمليات الجراحية المتعلقة بالقلب. لماذا يتوجب علينا أن نتحمل طيار أو جراح بشري أخرق أو مشتت الذهن، ان لم نكن مضطرين لذلك؟

في واقع الأمر، بعض العمال من البشر سيتوجب عليهم ادارة الامور في الاقتصاد الرقمي ولكن ليس على مستويات الماضي وفي الوقت نفسه فإن جميع البشر الذي أصبحوا بالفعل طيارين أو جراحين أو محاسبين في الماضي يمكنهم عوضا عن ذلك اداء الوظائف التي تعتبر الآلات سيئة بطبيعتها في اداءها.

كما قالت شيري تيركل من معهد م أي تي فإنه عندما يتعلق الأمر ببعض النشاطات فإن اشراك الالة يفسد التجربة. دعونا ننظر الى وسائل التواصل الاجتماعي. ان الفيسبوك والتويتر لا يستطيعان التقليل من الوحدة لأنهما مصممان على تقديم عينة منحازة من التجربة الاجتماعية فهما مثل السكر الرقمي أي يستطيعان ان يجعلا التفاعل الاجتماعي أكثر متعة ولكنما دائما ما يتركان خلفهما مشاعر فارغة. ان محاولة فيسبوك وتويتر تقديم محاكاة فقط للتجربة الاجتماعية يعني انهما في نهاية المطاف يجعلانا نشعر بالوحدة بشكل أكبر.

في الماضي كان وصف "العامل الاجتماعي" ينطبق على مجموعة ضيقة من المهنيين الذين يقومون برعاية اشخاص لا يستطيعون رعاية أنفسهم ولكن في الاقتصاد الاجتماعي-الرقمي فإن معنى هذا المصطلح سيكون أوسع ففي واقع الامر فإن العامل في مقهى ما والذي يقوم بعمل قهوة اللاتيه يقوم بتقديم خدمة اجتماعية وذلك عندما يسألك عن كيف تقضي يومك ولكن هذا السؤال البسيط وحتى لو كان بهدف التقيد بأحكام وقوانين مكان العمل لن يكون له معنى لو أتى من آلة.

إن احتياجنا للتفاعل الاجتماعي هو نتاج تطورنا. يقول عالم الاعصاب الاجتماعي جون كاسيوبو ان البشر هم "اجتماعيون بطبعهم فحارس حديقة الحيوانات الذي لو طلب منه عمل مكان لوضع البشر فيه فإنه لن يضع اي من عائلة من البشر في عزلة لنفس السبب الذي يدعوه لعدم وضع بطريق في الصحراء الحارقة " أي بعبارة أخرى لو اردت تعذيب حيوان اجتماعي بطبعه فإن أفضل وسيلة فعالة لتحقيق ذلك من حيث التكلفة هي عزله.

على مدار الحقبة الصناعية وما بعدها فإن طبيعتنا الاجتماعية قد تم قمعها من قبل الادمان الثقافي على الفعالية ولكن الثورة الرقمية قد تساعدنا على اعادة اكتشاف الذي فقدناه وهذه الإيام فإن التطبيق الوحيد للتقنيات الرقمية في مكان العمل هو تعزيز الإنتاجية ولكن مع وجود مقاربة ذات عقلية اجتماعية، سنعمل عوضا عن ذلك على التركيز على اعطاء العمال من البشر حرية أكبر في التعبير عن انفسهم.

في الاقتصاد الاجتماعي، بالطبع سنستمر بالإهتمام بالفعالية ولكننا سنضع بعين الاعتبار طبيعة البشر في ارتكاب الاخطاء وكما نحن لا نتوقع الفعالية من احباءنا، يجب ان لا نتوقعها من المعلمين أو الممرضين أو عمال المقاهي.

بالإضافة الى الفعالية، يجب ان نفكر أيضا كيف يمكن ان نعزز اجتماعيا المهن المختلفة بما في ذلك تلك المهن التي لا تبدو اجتماعية على وجه الخصوص مثل وظيفة رائد الفضاء. ان التركيز على الفعالية سيتطلب منا التخلص تدريجيا من مكتشفي الفضاء من البشر فورا فالآلات أفضل بالفعل في تصحيح المسار وجمع البيانات ولا تتطلب تسهيلات اضافية والتي عادة ما يحتاجها البشر من اجل ان يبقوا راضين وعاقلين في الفضاء.

لكن هناك وسيلة أخرى للتفكير في استكشاف الفضاء وهي وسيلة مبنية برمتها على وجود البشر. ان سرد القصص كان على الدوام تجربة اجتماعية ممتعة جدا بالنسبة للبشر وعلى الرغم من ان الروبوتات باستطاعتها بث البيانات من قمة جبل في كوكب المريخ فإنها لن تستطيع على الاطلاق ان تخبر قصة تجعل الناس تشعر بالرضا العاطفي عن تجربة تسلق ذلك الجبل. لماذا اذن نستكشف الفضاء لو لم يكن الهدف المساهمة في سرد قصة البشرية؟ من منظور اجتماعي فإن استبدال الرواد البشريين بالآلات سيشبه الى حد ما استبدال ميريل ستريب برسم كرتوني تم عمله من خلال الكمبيوتر.

بالنسبة للآباء القلقين فإن أفضل طريقة لتوقع مستقبل العمل هو عدم دراسة آخر التقنيات بل دراسة ماضينا فقبل أن يصبح البشر مزارعين، كنا ننتمي لمجتمعات من الباحثين عن الطعام والتي عملت على تلبية العديد من الاحتياجات الاجتماعية التي لا يتم تلبيتها اليوم. ان مستقبل العمل في الاقتصاد الاجتماعي سيكون عن كيفية الاهتمام بتلك الاحتياجات مرة اخرى.

لكن حتى يحدث ذلك، نحتاج لتغيير عقلية صناع السياسات وقطاع الاعمال حيث كما تجري الامور حاليا فإن العمال الأكثر تعاملا بشكل مباشر مع البشر الاخرين هم عادة اول الناس الذين يتم استبدالهم بالخدمات الالية ولكن هذا يعتبر خيار وليس ضرورة اجتماعية. لا يوجد شيء يتعلق بالثورة الرقمية يتطلب منا التوقف عن تقدير البشر والتواصل البشري.

عوضا عن توجيه مكاسب الاتمتة الى جيوب بعض المليونيرات، يتوجب علينا البدء بإستخدامها في استعادة التواصل ذو المعنى بين الكائنات البشرية الاجتماعية بطبعها والنجاح في ذلك سيكون عنوان قصة بشرية تستحق ان تروى.

* نيكولاس آجار، فيلسوف نيوزيلندي كتب على نطاق واسع حول العواقب البشرية للتغير التكنولوجي. وآخر مؤلفاته كتاب بعنوان كيف تكون الإنسان في الاقتصاد الرقمي
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1