إسلاميات - الإمام الشيرازي

كيف ننتشل العالم من براثن الغول الرأسمالي

رؤى من افكار الامام الشيرازي

نظريات الاقتصاد الأكثر شهرة في العالم، اثنتان، الرأسمالية، والماركسية، وقد تسببت كلاهما في إلحاق الأذى الفادح بالبشرية، وهناك مؤشرات واقعية تثبت ذلك، كما نلاحظ في النسب المتصاعدة للفقر في العالم، وتكديس ثروات الأرض كلها عند أقلية من الأفراد والشركات والدول، أما النسبة الأعظم من البشرية فيعيشون تابعين لهذه الأقلية التي تتحكم بالاقتصاد العالمي كما تشاء، كونها تمتلك المفاتيح الأساسية لحركة السوق والأموال.

المرض يوجد في النظريات طبعا، أي في الأفكار والمبادئ التي غالبا ما تظهر عيوبها أثناء التطبيق، خاصة بعد إقصاء النظريات الأخرى، كما حدث مع رؤية الاسلام التي تفوقت على نظريات الغرب والشرق بإنسانيتها، أي بتركيزها على قيمة الانسان ومكانته، وهذا واقع يعيشه العالم بعد فشل الاشتراكية الماركسية في ما سمّي بالاتحاد السوفيتي سابقا ودول أوربا الشرقية الواقعة تحت مظلته، بالاضافة الى فشل المنهج الرأسمالي في تحقيق عدالة اجتماعية بين الناس، وهذا يتبع نظام العولمة بطبيعة الحال، فهناك ارتباط قوي بين الاقتصاد والعولمة.

أما نظرية الاسلام فقد قامت على المساواة بين الجميع وأتاحت الحرية للجميع، فنقلت الانسان من حالة الجهل والغيبوبة في توافه الحياة، الى الوعي والقدرة على الابتكار والانتاج الافضل، حتى غدت العلوم متاحة للجميع، فأخذها الغرب عن طريق التراجم ووظفها لصالح نفسه، لكن تبقى مشكلة الغرب واضحة وعميقة، كونه يعتمد الرؤية المادية الصرفة، على العكس من الاسلام الذي يعطي للجانب الروحي والمعنوي مجالا كبيرا من اجل بناء المجتمع بصورة سليمة، وهذا يعني أن عولمة الاسلام قد تفوقت على الرأسمالية والماركسية معا.

يقول الامام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه القيّم الموسوم بـ (الفقه: العولمة): (جاءت عولمة الغرب التي طرح فكرتها وحاول تطبيق نظريتها في العالم خالية من المعنويات، ومن الاهتمام بالإنسان، وإنما تتمحور عولمته حول الاقتصاد والماديات، وترى التنمية والنمو الاقتصادي للبعض فقط هو كل شيء حتى وإن كان ذلك على حساب سعادة الإنسان بل وحياته أيضاً).

وهذا يعني أن التركيز على المادة هو جوهر النظريتين، الرأسمالية والشيوعية، ولهذا فشلت هاتان النظريتان في تحقيق السعادة للبشرية، لسبب بسيط وواضح، أنهما يعتمدان المادية الصرفة، ويهملان الجانب الروحي إهمالا تاما، وهذا عيب خطير في هاتين النظريتين، أظهرته النتائج الفعلية التطبيقية لهما.

لهذا يطرح الامام الشيرازي رؤية خاصة، تهدف الى تحجيم الغول (الرأسمالي) المتسيّد على العالم، والذي ينشب براثنه في جسد البشرية فأدماها، وكبلّها بقيود النظرية الرأسمالية وتطبيقاتها التي ضاعفت من نسب الفقر العالمي، ونشر الجهل والمجاعات في أصقاع عديدة من المعمورة.

العالم تحت رحمة المادية

المغالاة الغربية في تمجيد المادة، كان لها الأثر الكبير في إفشال المشاريع الانسانية الغربية ذات التوجّه الانساني، فقد وضع الغرب عوازل بين المادة والروح، لدرجة أن القيم الروحية تم اهمالها على نحو تام، فيما سادت قيم المادة على حركة المجتمع الغربي وعلاقاته، وانتعشت العولمة الغربية المادية على حساب القيم المساندة للنهج الانساني.

وهكذا بات العالم اجمع مهددا بالعولمة المادية خاصة ان الاستحواذ على مقدرات العالم لا تزال تنحصر بأيدي الأقلية، التي توظف الاحتكار من اجل تحقيق اهداف متعددة المسارات، منها وأهمها الاهداف السياسية، ثم صنع النموذج العربي وتعميمه على الجميع، ولعل أسوأ ما يمكن أن يتمخض عن حصر الثروات بأيدي الاقلية، حيث يتسبب ذلك بانتشار المجاعات والتخلف والجهل والمرض، ويسهم في انتعاش الطبقية الرأسمالية التي تعتمد العولمة الغربية في ترويج أفكارها وثقافتها القائمة على تمجيد المادة قبل الانسان.

وهذا الأمر تسبب في شطر البشرية كلها الى طبقتين، واحدة مهيمنة على أموال وثروات العالم وهم الأقلية، أما الأخرى فتمثل ما تبقى من العالم الذي بات تحت رحمة افراد وشركات ودول قليلة تتحكم برقاب العالم اجمع تستن في ذلك الى عولمة فاشلة ومنحازة، تقوم على النزعة المادية التي يتعامل بها المحتكرون العالميون في ادارة الاقتصاد العالمي، فيتم سحق طبقة الفقراء أكثر فأكثر، كما نقرأ ذلك في قول الامام الشيرازي: بسبب هذه الرؤية القاصرة (نتج الفقر والحرمان، والجهل والمرض، والحرب والدمار، وملايين الجائعين، وملايين المرضى، وملايين الأميين، وملايين المعوّقين، وملايين المشرّدين والمهجّرين).

ان الرأسمالية والماركسية، والعولمة، كرّست الفقر في المساحة الأكبر من المعمورة، وأشاعت التبعية من خلال الموجات الاستعمارية المعروفة على مدى التاريخ، بينما رؤية الاسلام مختلفة تماما، فمن أهم مرتكزات المبادئ الاسلامية انها لا تضع المادية أساسا لنشاطها، بل دائما يغلب عليها الجانب الروحي الانساني، فتقف بذلك الى جانب الانسان قبل الربحية، بمعنى هناك موازنة بين انسانية الفرد وبين حاجاته المادية، حيث يرى الامام الشيرازي أن عولمة الاسلام: (تنظر وتهتم بالجانب الروحي والمادي معاً، وتراعي المعنويات، وتهتم بالإنسان كمحور أساسي، وقد جاءت كاملة شاملة تجمع بين النمو والازدهار الاقتصادي، وبين العدل والأخلاق في الجانب الإنساني).

ومن أهم مزايا العولمة الإسلامية، كما نقرأ ذلك في كتاب (الفقه العولمة) للامام الشيرازي في مختلف الأصعدة والعديد من المجالات هي: (الإطار النظري: وهو يتعلق بالمفهوم الديني أو الوازع الإسلامي الإلهي، الذي يهذب النفوس، ويطبع على القلوب محبة الآخرين. الإطار التطبيقي: من المؤكد أن العولمة الإسلامية قادرة على تحقيق رفاهية البشر، وإسعاد بني الإنسان دنياً وآخرة، فالعولمة الإسلامية هي وحدها من بين الجميع، الجامعة للنمو والازدهار، والعدل والأخلاق للبشرية جمعاء، وتاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والإمام أمير المؤمنين عليه السلام، خير شاهد على ذلك. والإطار الاقتصادي والمعنوي والأخلاقي: إن عدم الاحتكار هو ميزة جوهرية للاقتصاد الإسلامي، وكذلك خضوع النظام الاقتصادي وتأطير العمل التجاري في الإسلام لأحكام الدين وقوانين الشرع الحنيف، وعليه فإن العولمة الاقتصادية الإسلامية حملت بين جوانحها كل مقوّمات الحضارة والسعادة والتقدم والرقي والازدهار والتطور، والقضاء على الفقر والحرمان).

رؤية اقتصادية للإمام الشيرازي

لقد وضع الإمام الشيرازي رؤيته الخاصة في المجال الاقتصادي، واعتبر أن عولمة الاسلام هي التي ظهرت للبشرية أولا، وركّز سماحته على حتمية إرساء أسس لنظام اقتصادي عالمي متطور، يستمد أفكاره ومبادئه وجوهره من نظرة الاسلام التي تركز على صنع الرفاهية والازدهار، ونشر العدل والأخلاق، لذا يضع الامام الشيرازي أسسا واضحة هي:

اولا: طرح أصول الاقتصاد الإسلامي المستنبط من القرآن والسنة النبوية الشريفة، ودعوة كل اقتصاديي العالم إلى مدارسته ومذاكرته، وإيجاد أفضل الطرق إلى تطبيقه وتنفيذه.

ثانيا: لابد من وجود مركز إسلامي اقتصادي عالمي، يقوم بتقييم السبل التطبيقية واقتراح السياسات الاقتصادية الإسلامية، ويسعى هذا المركز على تحجيم وتحديد الاختلافات الموجودة، ويضم هذا المركز العديد من خبراء الاقتصاد الإسلاميين للتفكير في الأساليب والسياسات الاقتصادية الإسلامية في ظل المتغيرات الدولية والعالمية.

ثالثا: العمل الجاد على تعديل السياسات المالية والنقدية والمصرفية التي تخالف القوانين والسياسات الإسلامية وجعلها تتوافق مع الاقتصاد الإسلامي القويم، وكذلك تحرير المبادلات التجارية من كل القيود والمضايقات.

رابعا: التأكيد على قيام سوق إسلامية مشتركة لرأس المال وحركته على مستوى البلدان ووضع إطار تطبيقي يتلاءم مع المتغيرات الحاصلة في الأسواق العالمية للاقتصاد، والارتقاء بالقدرات البشرية والإمكانات التقنية، وذلك على مستوى البلدان الإسلامية.

خامسا: العمل على استشراف آفاق المستقبل، ورسم صورة مستقبلية لموقع البلدان الإسلامية في الخريطة الاقتصادية الدولية، وتحديد مفهوم معين للأمن الاقتصادي الإسلامي، والعمل الجاد على الوصول إلى الاكتفاء الذاتي الاقتصادي في البلدان الإسلامية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0