(تركت نهضة الإمام الحسين عليه السلام ذلك الأثر الكبير في تعديل السلوك الإنساني)

الإمام الشيرازي

حين يتسلح المجتمع بالقيم، وتسير الأمة في طريق الأحكام الرشيدة، فإنها تمضي قُدما في الاتجاه الصحيح، وتستمد قوّتها من الأفكار والمبادئ والمعتقدات الخلاقة، هذا ما تحقق للمسلمين بعد واقعة الطف، وانبثاق النهضة الحسينية التي أخذت تشعّ بنورها وهدايتها على المسلمين وعلى البشرية عموما، وهكذا تؤثر الشخصيات العظيمة في بناء الأمم والمجتمعات، وهكذا يصبح الثوار العظماء فنارات للحرية والاستقامة.

وحين نعيش ذكرى ولادة الإمام الحسين عليه السلام في مطلع شهر شعبان الخيرات والمسرات، فإننا لابد أن نستذكر بكل الفخر والابتهاج ما قدمه سيد الأحرار للإسلام وللمسلمين، حيث تم تعديل الانحراف الخطير الذي طرأ. على الإسلام الحقيقي بسبب الفسق والانحراف والاستهتار الذي قام عليه الخيار الأموي، وتلك الصلافة العجيبة التي جعلت من يزيد يستهتر بكل الأحكام والثوابت التي رسخها الرسول صلى الله عليه وآله.

لذا يجب علينا ونحن نعيش في عصر التشابك والتداخل الثقافي والفكري العالمي، أن نسبر أغوار وأسرار حيثيات الطيف، ونهضتها، ومبادئها، والقواعد الإنسانية التي انطلقت منها، وأول هذه الثوابت هي الاستشهاد من أجل الحرية، ومقارعة الظلم والطغيان حتى الموت، وهذا بالضبط ما قام به سيد الأحرار الذي نعيش ذكرى ولادته، فنتعطر ونستنشق أجواء الحرية والعدل والأنفة العظيمة للإنسان.

الإمام الراحل، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (رؤى عن نهضة الإمام الحسين عليه السلام):

(جدير بنا نحن المسلمين أن نتعلم درس الحرية من أبي الأحرار وقائد الأبرار سبط رسول الله - الحسين بن علي- ونقف على أسرار نهضة الطف التي فجّرها ضد الاستبداد والاستعباد لنستلهم منها معاني العزّة والإباء ومعنى الحياة الحرة الكريمة).

إن إصرار الثوار في مقارعة الظلم والاستبداد هو السبيل الوحيد لضمان وحماية كرامة الإنسان، وهذا ما جربه العراقيون في مراحل وجولات عديدة ضد الحكام البغاة الجبابرة الطغاة، وآخرها ذلك الصراع المرير ضد الطاغوت البعثي الصدامي، حيث حُكم العراقيون بقبضة من حديد، وتم استباحة حقوقهم بلا ضمير ولا انتماء ديني أو إنساني.

استعادة الإسلام نحو الجادة الصواب

كثير من الثوار الذين قارعوا الأنظمة المستبدة، كانوا يعرفون أن نتيجة كفاحهم و وقوفهم ضد الطغيان سوف يكون ثمنه غاليا، حيث يقدم الثائر حياته قربانا للأمة والشعب والحرية،

وهذا ما يؤكد بأن الإمام الحسين عليه السلام عندما خرج ضد الطاغوت، كان يعرف تمام المعرفة وتمام العلم، بأنه يمضي نحو الشهادة، وكان واثقا بأن استعادة الحقوق والكرامة، وإيقاف عجلة الظلم والقمع والانحراف تتطلب أن يقدم نفسه قربانا لهذا الهدف الجليل.

وهذا ما جرى بالفعل، حين أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) في لحظة خروجه من مكة والمدينة ثائرا على حكومة يزيد، مؤكدا أنه مستعد كل الاستعداد لتقديم نفسه ثمنا لحصد النتائج الكبيرة لهذه الثورة وهذه الأهداف.

لهذا قال الإمام الشيرازي:

(كان الإمام الحسين عليه السلام يعلم علماً قطعياً باستشهاده كما أشار إلى ذلك مراراً في خطبه وكلماته، وذلك أثناء خروجه من مكة والمدينة، معلناً عن توطين نفسه على لقاء الله وعزمه على بذل مهجته في سبيل الله ونصرة الحق وإحياء الدين الإسلامي).

وبعد تلك الثورة المتوهجة التي هزت العرش الأموي المنحرف، وبعد السقوط المدوّي للطغاة، سرت مبادئ عاشوراء، وقم النهضة الحسينية في قلوب المسلمين، بل في قلوب الإنسانية كلها، حيث اتخذ ثوار العالم من الإمام الحسين نموذجا وطريقا لمواجهة الظلم والقمع والانحطاط الذي يبديه عادة الحكام المستهترين بحقوق وحريات شعوبهم.

وهكذا أخذت قيم النهضة الحسينية، تدخل قلوب وعقول الثوار، في العالم كله، وقد لاحظوا التأثير العظيم الذي أحدثته هذه النهضة من خلال إعادة الإسلام من جادة الانحراف إلى جادة الصواب.

حيث يقول الإمام الشيرازي:

(إننا اليوم نلمس وبكل وضوح آثار استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، ومدى تأثيره في بقاء الدين الإسلامي، وصيانته من كيد الأعداء بسبب موقفه التاريخي وتضحيته يوم الطف).

أما الهدف الأكثر وضوحا الذي انعكس عن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، فهي تكاد تتجسد بوضوح كبير في تصحيح العقائد، وتنقية الدين الإسلامي مما تسلل إليه من البدع والخزعبلات الغريبة التي تعاظمت بسبب حكم يزيد المنحرف وفسقه وفجوره واستهتاره بالأحكام والقيم التي حملتها الرسالة النبوية الخالدية.

وقد استفاد المسلمون المخلصون من وسائل النشر والتواصل، ومصادر الإعلام المختلفة، لاسيما الحديثة منها، لكي يوصلوا مضامين النهضة الحسينية إلى أبعد نقطة في العالم، وهذا هو المطلوب تماما حتى يستفيد الناس من وهج الثورة الحسينية الخلاقة على المستوى الأخلاقي والعقائدي أيضا.

الإمام الشيرازي يقول حول هذه النقطة:

(بسبب نهضة الإمام الحسين عليه السلام المباركة انتشرت العقائد الصحيحة ومعارف الدين الإسلامي لدى مئات الملايين من المسلمين الشيعة وذلك من خلال الكتب والمنابر الحسينية وأشرطة الكاسيت ووسائل الاتصال المتطورة، وغير ذلك بلغات مختلفة في كل العالم).

العزيمة الراسخة لمواجهة الجبابرة

في تلك الأزمنة البعيدة حيث مضت قرون طويلة متعاقبة على واقعة الطف الخالدة، تركت النهضة الحسينية تأثيرها المباشر على المسلمين أولا، ثم على الآخرين من البشر، ولكن حتى في القرون والعقود القريبة، سار ثوار العالم في طريق النهضة الحسينية، واستمدوا من هذا النهج تلك العزيمة الراسخة المؤمنة لمواجهة الجبابرة البغاة.

لهذا ساهمت النهضة الحسينية في تخليص البشرية كلها من الحكومات المستبدة ومن الحكام الجائرين، وهذا من أوضح النتائج الجبارة التي انعكست من ثورة الحسين عليه السلام على العالم كله، بدءا من المسلمين وانتشارا في بقاع العالم كلها.

يؤكد الإمام الشيرازي هذا الشيء فيقول:

(تركت نهضة الإمام الحسين عليه السلام ذلك الأثر الكبير في تعديل السلوك الإنساني لدى كل المسلمين، بل العالم كله، وساهمت هذه النهضة المباركة في خلاص البشرية من ظلم الاستبداد والطغيان).

إن النهضة الأخلاقية العظيمة التي تخللت ثورة الحسين عليه السلام، وكل المواقف والأحداث والتعاملات المعروفة والمثبتة تاريخا، كلها تؤكد الجانب الأخلاقي الواضح الذي ركز عليه سيد الأحرار، ومنها مثلا حين قدم الماء لأعدائه حينما حاصرتهم الرمضاء وفتك بهم وبخيولهم العطش وفقدان ماء الشراب، مع أن الإمام الحسين كان يمكنه القضاء عليهم لأنهم منهكين متعبين بسبب العطش.

لكن الإمام الثائر المبدئي الذي حمل لواء مكارم الأخلاق عاليا، قدم لهم الماء، فشربوا وزال عنهم العطش واستعادوا قواهم، ومن هذا الموقف الأخلاقي العظيم يمكن للناس جميعا أن يحصلوا على أعظم الدروس الأخلاقية على مر الأزمان.

وقد استمد سيد الأحرار هذه الأخلاق من جده الرسول صلى الله عليه وآله، فأنقذ الإسلام من سلسلة الانحراف التي كبلها به يزيد، فتم قطع وتحطيم هذه السلسلة المنحرفة، وتم القضاء على العنف والاستهتار ومن ثم إسقاط العرش الظالم، وانتعاش مكارم الأخلاق بين المسلمين والعالم أجمع.

يقول الإمام الشيرازي:

(ساهمت نهضة الإمام الحسين عليه السلام بتصحيح سلوك الناس وتقويمه، بعد أن تلوّن سلوكهم وأخلاقهم في ظل النظام الأموي بطابع العنف والاستبداد والوحشية والاستهتار مما لا يتناسب مع الخلق الإسلامي والإنساني، فأعاد الإمام عليه السلام بنهضته الشريفة مكارم الأخلاق التي بناها جدّه الكريم صلى الله عليه وآله، وقدّمها إلى البشرية ودعا الناس للتخلّق بها في كل مراحل الحياة).

وأخيرا نقول، في مثل هذه المناسبة العظيمة، ولادة سيد الأحرار، الإمام الحسين (عليه السلام) حري بالمسلمين أولا أن ينهلوا من مكارم الأخلاق التي نهض بها الإمام الثائر، وجعلها من أعظم أهدافه، فبالأخلاق تنهض الأمم، وتنطفئ الأزمات سواء بين المسلمين، أو في العالم كله، فما أحوج البشرية اليوم إلى الاستفادة من هذا الهدف الحسيني الخالد.

اضف تعليق