إسلاميات - الإمام الشيرازي

خصائص الشخصية القيادية الناجحة

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(لابد أن يكون القائد حريصا على تقدم رعيته في الأبعاد الروحية والمادية والمعنوية)

الإمام الشيرازي

القائد في مجال معين، أو في مهمة معينة، لابد أن يكون مختلفا عن الآخرين بخصائص مختلفة عن الناس العاديين، والسبب في هذه الحتمية لأن القيادة لا تصلح للجميع، كما أنها تتبع عوامل أصيلة وأخرى مكتسبة، العناصر الأصيلة التي تؤهل الإنسان كي يكون قائدا في مجال ما، هي التي تتوافر في شخصيته وراثيا.

أما العناصر المكتسبة فهي ما يكتسبه الإنسان من تجاربه الحياتية المختلفة، بالإضافة إلى التعليم والدراسة ومخالطة الشخصيات القيادة وغيرها، لهذا نلاحظ بعض القادة على الرغم من تعليمهم العالي وقراءاتهم الكثيرة إلا أنهم لم ينجحوا في مهامهم القيادية، والسبب يعود إلى أنهم غير مؤهلين لهذه المهمة التي تتطلب طرازا خاصا من البشر.

الرحمة والرأفة لابد أن تتوفر عند القائد، لذلك هناك من يصبح قائدا لكن الرحمة غير موجودة في قلبه ولا في سلوكه، لهذا يكون قائدا فاشلا، صحيح يكون مخيفا وذا هيبة ويخشاه الناس بسبب فقدانه للرحمة والرأفة، لكن هذا الفقدان هو الذي يجعل قيادته فاشلة ويتخلى عنه الناس، وإذا أيده بعضهم فإن لهذا أسباب غير حقيقية، أما للمصلحة أو بسبب الخوف، لهذا حين يهتز عرش القائد المتجبر سرعان ما يتخلى عنه أقرب معاونيه.

إن أفضل القادة على مر التاريخ، هم الأكثر رحمة من غيرهم على شعوبهم أو رعيتهم، والعكس يصح تماما، حيث يُصاب القادة القاسين بأكبر النكبات والهزائم حيث يتخلى عنهم الجميع في الشدائد بسبب أسلوبهم غير الرحيم في القيادة والإدارة.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيم الموسوم (من فقه الزهراء):

(لابد أن يكون القائد ذو رحمة بحيث يعز عليه ويشق عليه ما يعز ويشق على رعيته، كما يعز على الأب ما يجري على ابنه).

لذلك مهمة القيادة ترتبط بإحدى أهم الخصائص التي لابد أن تتوافر عند القائد، وفي حال فقدانها لأي سبب كان، فإن القيادة الناجحة تصبح أمرا مستحيلا، ذلك أن القائد يجب أن يكون الأب الروحي لأمته وشعبه ورعيته، وهذا يعني أنهم جزء لا يتجزأ من روحه، وفي حال فكر بإلحاق الأذى بهم، إنما يلحق الأذى بروحه، وهل هنا إنسان يتعمّد أن يؤذي روحه؟

القائد يتألم بصدق لآلام الشعب

هذا الأمر لا يمكن أن يحدث إذا شعر القائد فعلا، بأن أب روحي لشعبه، وأن هذه الخصيصة موجودة بالفعل في شخصيته، وتظهر من خلال تفكيره وقراراته وسلوكياته تجاه الشعب، فإذا شعر بأن الفقر يؤذي شعبه وهذا ما يحدث بالفعل، فإنه يعمل المستحيل ويتخذ كل الاجراءات التي تحد من الفقر، وإذا شعر بأن شعبه جائع، أو قدرته الشرائية هابطة، أو البنى التحتية ضعيفة، وأن حياة الناس قاسية لأنهم يعانون من شظف العيش، فإنه يتأثر ويعالج هذه النواقص فورا، كونه يشعر ويتواصل روحيا مع شعبه.

لهذا من الخصائص المهمة لنجاح القائد في مهمته القيادية، أن يتألم لألم الناس، وهذا وحده يجعله مستمرا بالقيادة الصحيحة، لأن الناس حين يشعرون أن قائدهم لا يتألم لألمهم، ولا يشعر بنواقصهم، ولا يهمه ما يؤذيهم، فإنهم لا يتمسكون به، بل ينفضّون من حوله، لأن القائد الذي لا يرأف بشعبه غالبا يكون ذا بطش عظيم، لهذا لا يصلح قائدا ويرفضه الناس.

يقول الإمام الشيرازي:

(القائد هو الأب الروحي، ولأنه إذا لم يكن يهتم برعيته حتى يشق عليه ما يشق عليهم لا يصلح ان يكون ذلك الذي يقود سفينة الرعية نحو شاطئ السلام في خضم التيارات وأمواج الفتن وأعاصير البلاء).

فمن خصائص القائد المهمة، وجود الرحمة في قلبه، وتظهر في قراراته وإدارته، والثاني أن يتألم للألم الذي يشعر به العاملون معه أو الذين تحت أمرته، والثالث وهو مهم جدا، ونعني بها خصيصة الحرص، فمن دون هذه الخصائص سوف تفشل القيادة، وفشل القيادة يعني ظهور المشاكل والأزمات التي تبقى تعصف بالمجتمع، وتزداد وتتوالد يوما بعد آخر.

إذًا غياب هذه الخصائص لا تؤدي إلى فشل القائد في مهامه فحسب، وإنما يمتد ذلك إلى صنع مشاكل لا أول لها ولا آخِر للمجتمع، مما يحتم على القادة الانتباه إلى هذه النقطة، فهو باحتفاظه بالخصائص القيادية الصحيحة في شخصه، يحقق نتيجتين كبيرتين، الأولى النجاح الكبير في عملية القيادة، والثاني محو أو تقليل المشكلات والأزمات المجتمعية إلى أدنى حد، وهذا وحده كفيل بإنجاح المهمة القيادية الإدارية والسياسية والاقتصادية وغيرها للقائد، بالإضافة إلى تحقيق مكاسب كبيرة للمجتمع وأعظمها الحياة الكريمة.

هداية الناس نحو الجادة الصواب

يحدث هذا بسبب حرص القائد على الرعية، وعمله الدؤوب على حماية وإدارة شؤون الناس بعدل وإنصاف، ومن ثم العمل على هدايتهم صوب الطريق الصحيح، وهو كفيل بتحصيلهم للسعادة في الدارين الأولى والأخرى.

يقول الإمام الشيرازي:

(لابد أن يكون القائد والراعي، في أية درجة ومنزلة كان، وسواء اتسعت دائرة رعيته أم ضاقت، حريصا على شؤون أتباعه ورعيته. ومعنى الحرص عليهم الحرص على هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة وتقدمهم في شتى الأبعاد الجسمية والروحية، المادية والمعنوية).

والقائد الناجح هو الذي يكون حريصا على الخيرات، وليس عكسها، أي أنه يبتعد كل البعد عن كل الأعمال والقرارات التي تقود الناس نحو الشر، علما أن هذا العمل لا يحدث تحت قيادة حريصة وناجحة، لأنها تكون هادفة للخير في جميع خطواتها، وفي كل القرارات والسياسات التي تنتهجها في تسيير أمور الناس.

القائد المؤمن (حريص وعن المحارم عفيف)، أي أنه لا يمكن أن يدنس نفسه ويده وقلبه بالشر، كالاختلاس مثلا، أو السرقات، أو التجاوز على المال الحرام، كما يحدث عن بعض القادة والحكومات الفاسدة الفاشلة.

لهذا يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:

(من الواضح إن الحرص ـ وهو شدة الاهتمام والتمسك والتعلق بشيء ـ على الخيرات حسن ممدوح، كما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «المؤمن على الطاعات حريص وعن المحارم عفيف»).

وكما ذكرنا سابقا، خصيصة الرأفة والرحمة لابد أن تتوافر في شخص القائد، حتى تتقلص المشكلات والأزمات إلى أدنى حد ممكن، وثمة فرق بين الاثنتين، بين الرأفة والرحمة، فالأولى لها ارتباط بطبيعة العمل وبجوارح الإنسان، أما الثانية (الرحمة) فلها علاقة بالقلب والجوانح، فإن كان رؤوفا رحيما، كسب الجميع والتفوا حوله، وإن كان العكس خشنا في أسلوبه فإن الناس تفر منه بعيدا ولا تؤيده.

وهذا ما أكده الإمام الشيرازي في قوله:

(لابد أن يكون القائد رؤوفا رحيما برعيته، والفرق بينهما أن الصفة الأولى تتعلق بالعمل والجوارح، والثانية ترتبط بالقلب والجوانح، في قبال الفظّ الذي يعكس خشونة الأفعال وهي حالة خارجية، وغليظ القلب وهي حالة داخلية، كما في الآية الكريمة: ولو كنت فظا غليظ القلب).

في الختام، يحتاج قادة المسلمين، في السياسة وفي سواها، إلى فهم هذه الصفات جيدا، ومن ثم الإيمان بها، وبعد ذلك تطبيقها عمليا وفعليا في مهامهم القيادية، فهذا هو الطريق الوحيد لنجاحهم كقادة، وهو الطريق الوحيد الذي يبعد عنهم شبح السقوط، أمام الناس وأما الله تعالى.

اضف تعليق