فوائد الحوار الحر بين السلطة والشعب

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

يُقصَد بالحوار الحر، تلك الآراء المطروحة للنقاش بين السلطة والشعب من دون إكراه، لأن السلطة، لاسيما الفردية أو المستبدة، تفرض رأيها وأفكارها بالقوة، عندما يتعارض النقاش مع مصالحها، بل هناك حكومات لا تسمح أصلا بالحوار مع الجماهير، فتلجأ الى وسائل البطش والتعذيب والسجن والنفي وما شابه، لكي تكمم أفواه الناس!.

أما نتيجة السلوك الاستبدادي، كما لاحظنا ذلك في التجارب السياسية عبر التاريخ، فضلا عن الراهن، فإن زوال السلطة المتجبرة حتمي، حيث يصل الثوار الى السلطة بدلا من الطغاة، ولكن هناك مشكلة رافقت من ينهض بالثورة والتغيير، حيث يقع هؤلاء الناهضون تحت سحر السلطة ومزاياها، فيقطعون الحوار مع الأمة أو الشعب، بسبب حالة التضخم الذاتي التي يُصاب بها هؤلاء، فالسلطة لها سحر قد يفشل كثيرون في مقاومته.

وبهذا قد يبتعد الثوار او الناهضون بالتغيير، عن الاهداف التي ثاروا من اجل تحقيقها، وتغيب لغة الحوار الحر البنّاء بينهم وبين الشعب، وبذلك يتعرضون للخطأ نفسه الذي وقعت فيه الحكومات الفاشلة، لذلك اذا شاء الناهضون، أو الثوار الذين يمسكون بالسلطة البقاء فيها، عليهم أن يفتحوا قنوات الحوار الحر مع الشعب.

سبل العلاقة المتوازنة

وعليهم الابتعاد عن التعامل المتعالي مع الشعب، بالاضافة الى حتمية التزامهم بمصلحة الشعب قبل مصالحهم، فالحوار والتواضع هو الطريق الأمين الذي يؤدي الى علاقة أمينة ومتوازنة بين الثوار الجدد وبين الشعب، خلاف ذلك سوف يتحول ثوار الأمس الى سلطة قامعة لا تختلف عن الحكومات التي سبقتها، ويكون مآلها السقوط الحتمي.

ولكن عندما يتم فتح الحوار الحر مع الشعب، سوف يختلف الأمر تماما، حيث يصل الجانبان الى حلول وسطى، بإمكانها أن تحقق حالة من الاستقرار والتوازن في الدولة، بسبب حالة التفاهم والتوافق التي تنشأ بين الحكومة والشعب، بعد فتح قنوات الحوار الحر بينهما.

الامام الراحل، محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يوضّح طبيعة هذه العلاقة القائمة بين الناس من جهة، وبين الناهضين بالتغيير من جهة أخرى، إذ يقول سماحته حول هذا الموضوع، في كتابه القيّم الموسوم بـ (تحويل المعنويات الإسلامية من القوة إلى الفعل): (المهم على الناهضين ان شاءوا البقاء، ولم تأخذهم نشوة النصر، ان يفتحوا الحوار المتواضع مع الناس دائماً، حتى ينتهوا الى الحلول الوسطى).

علما أن الطرفين، السلطة، والناس، لهما بعض الحق في التعامل والرؤية والتنفيذ ايضا، فالسلطة الجديدة قد تكون على حق في بعض ما تذهب إليه من قرارات واجراءات معينة لادارة البلاد، من جانب آخر هناك حقوق وآراء للناس تمثل مطالبهم وحاجاتهم المادية والمعنوية، وهؤلاء على حق تام في المطالبة بها، لذلك لا نخطئ اذا قلنا أن الطرفين لهما بعض الحق فيما يذهبان إليه ويطالبان به، ولكن يبقى المحور الاهم في هذه العلاقة في يد السلطة، ويمكن لها معالجته من خلال فتح قنوات الحوار الحر مع الشعب كما تم ذكره سابقا، وفيما لو لجأت الحكومة الى هذا الاسلوب، فإنها تؤكد حقها بدلا من أن تنسفه بأسلوب البطش والقوة!.

حول هذا الجانب يقول الامام الشيرازي في المؤلَّف نفسه: (لا شك في كون بعض الحق مع الناهضين، في المفاهيم الجديدة وكيفية التطبيق، كما أنه لا شك في كون الحق مع الشعب في جملة من الأمور).

لا للتزوير والمؤامرة والخداع

من مزايا الحوار انه يساعد على بناء الثقة بين أصحاب السلطة الجدد وبين الناس عموما، لذلك من مصلحة الناهضين والقائمين بالتغيير وهم ثوار الأمس وحكام اليوم، أن يفتحوا الحوار مع الجماهير بكل تواضع، وبعيدا عن التعالي والتهميش والإهمال، كذلك ينبغي ابتعادهم عن أساليب الخداع والتزوير والمؤامرة، اذا كانوا حريصين على العلاقة بينهم وبين الناس، لأن البقاء على حس المؤامرة حاضرا، يؤدي الى اثارة التشنج في الاجواء العامة، بالاضافة الى انتشار حالة من انعدام الثقة.

وهذا لا يصب في صالح القادة الجدد، لأنهم كما هو متوقع منهم، بُناة دولة وثوار جاؤوا لكي يبنوا دولة جديدة على أنقاض حكومات مستبدة، ولكن عندما يتكرر الحال نفسه، وتبقى الحكومة الجديدة عاجزة عن التواصل مع الشعب بصورة صحيحة، وغير قادرة على تلبية حاجاته الأساسية والخدمية، فهذا الاسلوب في الحقيقة يجعل الناس في منأى من الوضع السياسي الجديد، والسبب واضح تمام الوضوح.

ولكن اذا ساد اسلوب الحوار والرفق واللين بين أصحاب السلطة والناس، سوف يقبل هؤلاء بالمفاهيم الجديدة للناهضين الجدد، لأنهم استطاعوا ان يكسبوا الناس بالقول والعمل على مدار السنوات التي قضوها في ادارة السلطة.

يقول الامام الراحل في هذا المجال بكتابه نفسه: (إذا فتح الناهضون الحوار المفتوح بكل تواضع، وجنحوا الى الواقعية، لا التزوير والمؤامرة والخداع، واستمروا بالسلم والرفق، انتهى الأمر ولو بعد عقد من الزمن الى سيادة المفاهيم الجديدة الواقعية، وتقبل الأمة لها، ومرور النهضة من المشكلة بسلام).

وفي حالة حدوث العكس، أي في حالة حصول أزمة بين الناهضين الجدد، وبين الناس، فإن حالة من العداء سوف تسود وتنتشر وتنمو بي الطرفين، تؤدي الى نتائج خطيرة.

كما نقرأ ذلك في قول الامام الشيرازي: (أما إذا لم يفتحوا الحوار المفتوح والتفاهم الدائم، وجنحوا الى العنف/ والديكتاتورية/ والمؤامرة/ ضد الشعب - والثلاثة متلازمة عادة- وقع الثوار والشعب في شقاق).

مخاطر انقسام الأمة

من الملاحظات المهمة التي ينبغي أن يتنبّه لها الناهضون او الثوار الذين استلموا السلطة، هي سماع نقد الشعب والامة لهم، وينبغي عليهم أن يصححوا الاخطاء على ضوء النقد الذي يحصلون عليه من الناس، ومن الخطأ غلق قنوات الحوار مع الشعب، والتعامل معه بنوع من التعالي والاهمال، لأنه اذا ساءت العلاقة بين الطرفين، سوف يؤدي ذلك الى حدوث عواقب وخيمة، يتحمل نتائجها الناهضون واصحاب السلطة، لأنهم لم يتعاملوا بالصورة اللائقة مع الشعب، ولهذا سوف تسوء العلاقة بين الطرفين.

كما يؤكد ذلك الامام الشيرازي عندما يقول: (الثوار لا يستعدون لسماع النقد من الشعب، وإصلاح الفاسد، والشعب لا يستعد لتقبل الصحيح من الثوار، لأنهم ينظرون الى الثوار بنظر الحقد والازدراء، فان صحيح الثوار يطمس بسبب ما أتوه من الباطل).

وهذا التناقض بين الطرفين قد يتحول الى نوع من الصراع، وفي هذه الحالة سوف يقود الى الصراع والانقسام بين مكونات الامة، وهذا الامر بطبيعة الحال لا يصب في صالح أحد.

كما نقرأ ذلك في قول الامام الشيرازي حول هذا الشأن: (من الطبيعي انه مع انقسام الأمة لا يمكن الوصول الى النتيجة المطلوبة). وعندما يحدث الانقسام ويحصل التضارب بين الناهضين وبين الناس، فإن بوادر الانقسام سوف تكون حاضرة، وأن التشتت سوف يفتك بوحدة الشعب.

لذلك لابد من الإبقاء على أبواب الحوار مفتوحة، بل ينبغي ادامتها وزيادة نوافذ وسبل الحوار بين الجانبين أكثر فأكثر، لأن النتيجة سوف تكون في صالح الجميع، وسوف يتم التقريب بين الآراء ووجهات النظر ونقاط الخلاف بين الطرفين، ومن ثم تقليص التناقضات والخلافات وتقريب الآراء بين الطرفين، عبر سبل الحوار الحر.

كما نلاحظ ذلك في قول الامام الشيرازي: (من الضروري ان يقع حوار مفتوح بين الجانبين- الجماهير وأصحاب السلطة- لعله ينتهي الى توحيد الآراء او تقريبها).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2